ج- كنت أشبه شيء بالسجين الذي حكم عليه بالأشغال الشاقة في نفق مظلم، ثم أطلق سراحه فاستغرق العالم الخارجي، فالتبست عليه الشوارع والبنايات والأندية العامة ودور السينما والجنائن والوجوه والأزياء، وأصبح بحاجة إلى تعلم المشي من جديد، وغلى تقدير المسافات ومحاذرة السقوط عند هبوطه الدرج أو عند ركوبه السيارة، وبالجملة فإني أصبحت أخشى الحركة ولا سيما السرعة، ولكنني بدأت آلف هذه الأمور الآن بعد تمرين بها.
س- كيف كانت نظرتكم إلى الحياة وانتم تعانون آلام المرض؟
ج- كنت أنظر إليها من خلال تجاربي الغابرة، ومن خلال المطالعات، ولكنني لم أتشاءم بل استمررت متفائلا، وما كنت أحسد الأصحاء إلا على النوم الهادئ، والنظر إلى ضوء الشمس والتحديق إلى النجوم في ليلة صاحية.
س- هل كان الألم اثر على نشاطكم الأدبي؟
ج- الألم لا يولد شاعرية ولا عبقرية، ولكنه يوقظ الشاعرية النائمة. فمثل الألم مثل الضوء يلقي أشعته على القبو المظلم فتدرك العيون كل ما فيه. ثم أن الألم يحمل الإنسان على التفكير العميق وعلى النظر إلى الحياة نظرة جدية، فينطوي على نفسه، ويغوص على المشاعر العميقة، فيكشف في أغوار النفس ما يتعذر اكتشافه على الصحيح السادر في طريق الملذات، وبالتأمل العميق يقبل المتأمل على الإيمان بالله وبرحمته التي تسع كل شيء، ويرتفع عن الدنيويات الزائلة، وعن اليوميات التافهة، ويتجه إلى المثالية.
س- كيف كنتم تصارعون الداء في زحمة التنزل العشري الذي أوحى إليكم بروائعكم؟
ج- كنت أصارع الداء بالصبر الجميل، وألبس درعا مثلما قوامه الإيمان والرجاء والمحبة. وأتأسى بالصابرين الأولين وبخاصة بأيوب الصديق، وأدخر من ليالي الألم الطوال كنزا لساعات الهدنة، أي الساعات التي يهادنني فيها الوجع، وأتفلسف على ذاتي بالإيحاء الشخصي، فأتخيلني مثلا عند ارتفاع الحمى سكران مفرطا في الشرب، لأقصى عن نفسي فكرة الخطر والموت، واعنف نفسي على السكرة المشؤومة، وأعدها بالثوبة. وهكذا كنت اهرب من الحقيقة المؤلمة إلى الخيال المريح، وألوذ بالصبر، واكرر عبارة: الحمد لله، وطالما لجأت في الساعات الرهيبة إلى البسملة والحمدلة والترجيع والتسبيح، ولكنني خشيت من الشكر فرارا من النتائج والزيادة: لئن شكرتم لأزيدنكم.
س- كيف قوبلت ملحمتكم الأولى ثم الثانية في البلاد العربية، وهل ذوق هذا العصر يستعذب الشعر الملحمي بالنظر إلى الاتجاهات الشعرية الجديدة، إلى ما يقال بأن الشعر ستكسد بضاعته بعد نصف قرن؟
ج- أظن أنه لم يقابل كتاب بمثل ما قوبلت به (عيد الغدير) (وعيد الرياض) لأن كبار أدباء العالم العربي أو معظمهم على الأقل، أثنى عليهما ثناء منقطع النظير، وأصبح المدرسون وبخاصة في لبنان، يقرؤون على الطلاب مقاطع ملحمية، ولا يخفى عليكم أن الأدب العربي كان مفتقرا إلى الملحمة، ولا سيما إلى مثل ملحمة (عيد الرياض) التي جمعت مفاخر العرب من الجاهلية إلى يوم الناس هذا. أما القراء فسوادهم يقبلون على المطالعات الرخيصة التي تثير الغرائز، ولقد ذكرت في مقدمة كتابي (مذكرات جريح): (وتكسد الكتب في الشرق العربي حتى يعلوها الغبار، وبينها روائع برغسون وشكسبير وغوته وأمثالها. وأغلاها سعرا لا يعادل ثمن تذكرتين للسينما، أو ثلاث علب تبغ، أو جوربين وتنظيف حذاء.
وأظن أن ملحمة (عيد الرياض) ستدرس رسميا في المملكة السعودية العربية، وهي وإن دارت وقائعها على بطولة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، فقد انطوت على الشعر المطلق والتيارات الفكرية والاجتماعية وسيفطن لها الناس ولو متأخرين في الزمن. أما الاتجاهات الشعرية الجديدة وذوق العصر والتكهن بكساد الشعر بعد نصف قرن، فالجواب على ذلك تجدونه عند شكسبير وغوته وراسين والمتنبي، أما الجواب على خلود الملاحم فتجدونه عند هوميروس