تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبي عامر من الأندلس فيمن أخرجه من أهل بيته بعد الحادث الشهير الذي قتل فيه الحسن بن جنون.

يقول إبراهيم يهجو المنصور بن أبي عامر ويخاطب الأمويين الذين استبد بهم هذا الحاجب:

فيما أرى عجبا لمن يتعجب جلت مصيبتنا وضاق المذهب

إني لأكذب مقلتي فيما أرى حتى أقول غلطت فيما أحسب

أيكون حيا من أمية واحد ويسوس هذا الملك هذا الأحدب

تمشي عساكرهم حوالي هودج أعواده فيهن قرد أشهب

أبني أمية أين أقمار الدجى منكم وما لوجوهها تتغيب

وقد روى المؤرخون لهذا الأمير غير هذه القطعة، ولاشك أنك تلاحظ في القطعة التي أمامك مدح أمير علوي لأبناء أمية.!!! وهو غريب .. ! في بابه.

وقد اجتذب الأندلس كثيرا من المغاربة الذين اندمجوا في الوسط الأندلسي وعرفوا بنسبتهم إلى المغرب كالأصيلي راوية النجاري، ويحيى بن يحيى .. راوية الموطأ، ونجد غيرهما ممن ينسب إلى نفزة وأوربة وزناتة ومصمودة ومغرواة وغيرها، كما نجد القيروان هي الأخرى اجتذبت آخرين كالشيخ ابن عمران الفاسي، وقل مثل ذلك عن بغداد ودمشق والمدينة والإسكندرية وأخيرا ... القاهرة ...

وليس لهذا من تفسير سوى أن الحياة ضاقت بهؤلاء في بلادهم بسبب الحروب والفتن الداخلية التي استمرت عدة أجيال لم يمكن معها أن يتذوق الناس حياة السلم والاستقرار التي هي الشرط الأساسي لازدهار الأدب والعلم.

والأدب والعلم إنما يزدهران عندما تسود اللغة ويعظم شأنها وتصبح أداة حية في المعاهد والمؤسسات الحكومية وعلى ألسنة الناس في حياتهم اليومية، وهذا ما حدث في مدن العراق وفارس ومدن الأندلس أيضا، فقد كانت موجات المهاجرين والعرب المسلمين دفاقة على هذه الأقطار منذ الفتح الإسلامي، ولم يلبث السكان الأصليون من فرس وأكراد وروم وأرمن وأنباط وغيرهم في الشرق أن أقبلوا على اللغة الجديدة يتسابقون إلى تعلمها واستعمالها كأداة للتخاطب أولا ثم كأداة للثقافة ثانيا. وفي الأندلس حدث ما يشبه هذا، وكان عدد العرب الذين استقروا بالأندلس بعد الفتح الإسلامي ونقلوا إليها لغتهم وعصبيتهم وأخلاقهم يفوق عدد إخوانهم الذين استوطنوا المغرب .. ويكفي أن نعلم أن عبد الرحمن الداخل الأموي دخل الأندلس سنة 138هـ فوجد النزاع على أشده بين العرب القيسية واليمينة وأنه استغل هذا النزاع لمصلحته الخاصة، حتى تم له الأمر وأسس الدولة الأموية التي كان لها الفضل الأكبر في حضارة الأندلس وازدهار العلم والأدب في ربوعها.

ونبوغ كتاب وشعراء ومفكرين كالجاحظ وأبي نواس والبحتري وأبي تمام هو تعبير صادق عما بلغته الثقافة من رقي وازدهار في الوسط الذي عاشوا فيه في ظلال هرون الرشيد وابنه المأمون وآل برمك وآل خاقان.

كما أن نبوغ ابن عبد ربه وابن زيدون وابن عمار في الأندلس كان تعبيرا عما بلغته الحياة الأدبية من رقي على عهد عبد الرحمن الناصر ثم على عهد ملوك الطوائف فيما بعد.

وإذا لاحظنا أن سكان المغرب قد اندمجوا في الحياة الإسلامية، وإذا لاحظنا أن شعورهم الديني بلغ أعلى درجة من الحيوية والحماس، وإذا لاحظنا أنهم أقبلوا على القرآن يحفظونه ويتدارسونه وعلى تعاليم الإسلام يتعلمونها ثم يؤدونها بإخلاص وحسن نية .. فإننا نلاحظ أن حياتهم الثقافية كانت لا تتجاوز المحيط الديني إلى الأدبي إلا قليلا وفي ظروف خاصة وتحت تأثير عامل التقليد الذي لا ينفك يدفع ببعض الناس إلى نظم بعض المقطعات في المدح أو الهجو أو الفخر.

وأظن أنني لست في حاجة إلى أن أثبت في هذا البحث كل ما دونته في مذكرتي من مقطعات وأبيات رواها المؤلفون -الذين وصلتنا وآثارهم- لبعض المغاربة الذين أظلتهم عصور الحضارة الإسلامية الأولى ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٤٩