دعوة الحق س2،ع6 مارس1959 ................... ص43
نشأة الأدب العربي بالمغرب
بقلم: عبد القادر زمامة
هذا البحث صغير في موضوع كبير، يحاول كاتبه أن يستجيب فيه لمطامح النفس المغربية التي نشعر بها دائما تسائلنا ... نحن جزء لا يتجرأ من العالم العربي .. وتراث العرب تراثنا، ولغتهم لغتنا، وأدبهم أدبنا .. فما بالنا نجد في كتب التاريخ والأدب عشرات بل مئات الشعراء والمؤلفين ينتسبون إلى البصرة والكوفة وبغداد ودمشق وقرطبة في عصور الحضارة الإسلامية الأولى ... بينما لا نكاد نجد من ينتسب منهم إلى مدينة من مدن المغرب الموجودة إذ ذاك ... فهل كان الناس هنا في المغرب يعيشون من غير أدب ... ؟ وهل كان الناس هنا في المغرب يسمعون ويقرؤون آثار العلماء والأدباء الشرقيين والأندلسيين فيكتفون بذلك ويعكفون على ترديده ونقده من دون أن يتعبوا أنفسهم بإنشاء أدب جديد ذي طابع جديد .. ؟ أجل، هذه معضلة نصادفها دائما عند محاولتنا دراسة الأدب العربي في المغرب، وتكون المعضلة شديدة الوقع في النفس عندما نريد أن نقدم للناس كتابا في الأدب العربي يضم آثار أدباء العرب في مختلف العصور والأقطار العربية، لأن حظ المغرب يكون هزيلا شاحبا لا يطفئ غلة ولا يروي ظمأ ... مما أدى ببعض المؤلفين إلى إهماله بالمرة أو الاكتفاء بما بقي من أدب الأندلس ..
وطبيعي أن يهتم الباحثون بهذا الموضوع، وطبيعي أن يحاولوا إرسال أضواء على ما غمض من آثار المغاربة الأولين .. وطبيعي أن يحبسوا أنفسهم على البحث والتنقيب علهم يظفرون بما يزيحون به الستار عن خفايا الماضي وغوامضه .. ولاشك أن الباحثين عن نشأة الأدب العربي في المغرب في العصور الأولى، أعني عصر الأدارسة ومغراوة وبني يفرن، يجدون أنفسهم أمام مادة تاريخية ضاعت جل مصادرها المعاصرة، ككتاب المؤرخ أبي عبد الله محمد بن يوسف التاريخي المعروف بالوراق المتوفى سنة 292، وقد كتب هذا المؤرخ عن (البصرة) و (سجلماسة) و (نكور) و (فاس) وغيرها من حواضر المغرب في تلك العصور، وكتاب تاريخ الأدارسة للمؤرخ البرنوسي الذي ينقل عنه صاحب القرطاس كثيرا، وكتاب تاريخ الأدارسة للمؤرخ ابن الودون الذي أشار إليه صاحب (بيوتات فاس) عند كلامه على عائلة ابن الودون .. الشهيرة، كما أنهم يجدون أنفسهم أمام عدة حواضر مغربية منها ما يؤسس ومنها ما يجدد بناؤه، وبنوع خاص في الناحية الشمالية من المغرب، لأن انعدام سلطة مركزية أدى إلى ظهور مطامح متعددة وإمارات وزعامات متعددة ولاسيما بعد انهيار دولة الأدارسة في فاس وتلاعب ساسة الفاطميين والمروانيين بزعماء القبائل التي كانت تطمح إذ ذاك إلى سد الفراغ الذي حدث بانحلال دولة الأدارسة ...
وفي هذه الظروف نجد في كتب الطبقات وكتب المسالك والممالك أسماء عدة شخصيات مغربية لها قيمتها الثقافية في علوم الشريعة والأدب، ونقرأ بعض المقطعات الشعرية كتلك التي رواها لنا البكري في مسالكه عند كلامه على مدينة البصرة المغربية التي كانت تعرف إذذاك ببصرة الكتان، أو بصرة الذبان، والتي كانت مشهورة بجمال نسائها الفائق، وينسب البكري القطعة لأحمد بن فتح المعروف بابن الخراز التاهرتي يمدح أبا العيش بن إبراهيم بن قاسم:
قبح الإله اللهو إلا قينة في بصرة في حمرة وبياض
الخمر في لحظاتها والورود في وجناتها والكشح غير مفاض
ولم يرو البكري أكثر من ستة أبيات، كما أن المؤرخين رووا للإمام إدريس رضي الله عنه مقطعات شعرية في الفخر والحماسة، وكذلك لابنه القاسم بن إدريس، وكذلك لحفيده إبراهيم الذي هاجر إلى الأندلس وسكن قرطبة إلى أن أخرجه الحاجب المنصور ابن