تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعر الجاهلي أن يتخطى هذه الفترة وأن يتغلب على تعاليمها في دنيا الشعر.

نعم كان ذلك على الرغم من أن القرآن الكريم ذم الشعراء ووصفهم بأوصاف شائنة، يقتفي أثرهم أولئك الذين يلتقطون كذبهم أهاجيهم ومنكرهم ليرووها للناس ويشيعوها في المجتمع ..

وعلى الرغم من أن الإسلام أشار على أن الشاعر الذي ينال رضي الله هو المومن الذي يدافع عن الدعوة الإسلامية ويرد عنها كيد أعدائها ويجعل أدبه وقفا على خدمة العقيدة الإسلامية.

فالشعر الجاهلي إذن كانت له سطوة جبارة وسيادة مطلقة على الشعر العربي في جميع العصور وأحب هنا أن استثنى طائفة الخوارج التي كانت تنظر-غالبا- إلى الأدب على أنه وسيلة لخدمة عقيدتهم، وكان الخوارج معروفين بالصدق في شعرهم تبعا لعقيدتهم ونظرتهم إلى الكذب كجريمة كبرى، ولذلك يكرهون مدح من لا يستحق المدح أو مدح الرجل بما ليس فيه .. فقد كان الفرزدق يوما ينشد وحوله الناس إذ مر به عمران بن حطان فقال له:

أيها المادح العباد ليعطي

إن الله ما بأيدي العباد

اسأل الله ما طلبت غليهم

وأرج فضل المقسم العواد

لا تقل في الجواد ما ليس فيه

واسمي البخيل باسم الجواد

وقالت له امرأته مرة: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ فقال: بلى. قالت أفرايت قولك:

وكذلك مجزأة بن ثور

كان أشجع من أسامة

أيكون رجل أشجع من الأسد، قال نعم. إن مجزأة بن ثور فتح مدينة كذا والأسد لا يقدر على فتح مدينة.

فإذن كان الخوارج ينظرون على الشعر نظرة أخلاقية عن اعتقاد عميق.

ولكن مع وجود العصر الذهبي الإسلامي واتجاه الخوارج لم يتحول تيار النقد العربي عن نظرته الحرة الطليقة دونما اعتبار للنواحي الخلقية والدينية، بل قد يعاب على الناقد إذا ما غض من قيمة الشعر بدعوى خروجه عن مقاييس الأخلاق والفضيلة ويتهم في ذوقه وفهمه، فيكون نقده ذلك دليلا على أنه ليس من أهل الأدب ولا من نقاده.

وفي رأينا أن السبب في عدم وجود مدرسة نقدية إسلامية ملتزمة أن النفس العربية لم تؤثر فيها تعاليم الإسلام بوجه عام ولم يتعمق الإشراق الديني في كيانها- إذا استثنينا بعض المومنين الأبطال في صدر الإسلام وبعده- بحيث تلتزم نفسيا بالتقييد بمقاييس الدين والأخلاق في الإنتاج والنقد.

إن المجتمع الإسلامي لم يرفض ذلك الشعر الذي كان يطفح بالأغراض الجاهلية من هجاء وغزل ومدح وغير ذلكن بل كان هذا الشعر يجد من المجتمع خير مشجع له على الاستمرار فالناس كانوا يعجبون بجيري والفرزدق والأخطل على رغم ما تفوهوا به من فساد وبهتان وما ترموا به من مساوئ وقدح في الأغراض والكرامة بل عن المجتمع كان يتلذذ بهذه المعارك الفاجرة، كما كانوا يعجبون بشعر بن أبي ربيعة على ما فيه من تغزل يتناول به أغراض الناس فيفضحها حتى في أوقات وأماكن مقدسة.

وإذا ما اعتبرنا المجتمع كنا قد عام- زيادة على موقف النقاد المتخصصين- نستطيع أن نقول: انه كان هناك تجاوب تام بين الشعر العربي بما فيه وبين النفس العربية.

ولو أن المجتمع وقف من الاتجاه المتحرر من قيود الذين والأخلاق موقفا يمليه الدين لكان الإنتاج الشعري العربي قد غير وجهته إلى ما يرضي الناس ويحوز إعجابهم كما فعل الخوارج بالنسبة بعقيدتهم ومجتمعهم الصغير.

ومن العجيب أن تجد بعضهم يرى أن لكي يكتسب الروعة والقوة لابد له من أن يتغذى من لبان الشر ويدور في فلكه فإذا دخل الخير لان ... وليس ما يقوله الأصمعي صحيحا، إن الشعر يكون قويا هنا وهناك إذا ما توفرت في المنتج عوامل الأديب الأصيل من طبع جمالي عميق وعاطفة جياشة صادقة حساسة وخيال

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٤٤