تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيح الكفر فاسد العقيدة لكن لم يؤثر ذلك في شعرهم ولا في إعجاب الأدباء بروعته وإنما نقصوا هم في أنفسهم وأصابهم الشقاء بكفرهم.

وهكذا نرى بعض النقاد العرب يفرقون بين الشاعر وشعره فيقومون الشعر بالتقويم الفني ويدعون عقيدته والحكم فيها إلى الله أو إلى المعنيين بذلك، ومحاولة النظر إلى الشعر من خلال عقيدة الشاعر ومذهبه إنما هي محاولة غريبة عن الفن بل إنها مفسدة للفن ولأسسه التقويمية وإننا نرى بعض النقاد العرب يصرحون بأن تقديمهم جرير والفرزدق على الأخطل ليس إلا من الناحية الفنية البحتة لا من ناحية إيمانهما وكفره.

ونرى هذا الاتجاه واضحا كل الوضوح أيضا لدى أبي بكر الصولي إذ يقول: «ومالا أحسب شعر أبي تمام مع جودته وإجماع الناس عليه ينتقص بطعن طاعن عليه في زماننا هذا .. والذين طعنوا عليه لا علم لهم ولا خبرة بالشعر ونقده وتمييزه، وليس ذلك من صناعتهم .. » ولا يكتفي الصولي بوصفهم بذلك بل يزيد بأنهم مصابون بهذيان وحمق عندما حكموا على شعره بالفساد، لفساد عقيدته- كما كانوا يزعمون- في حين كان علماء الملوك ورؤساء الكتاب الذين لهم ذوق نقدي له قيمته ويقدرون شعر أبي تمام ويطربون له ويذيعونه ويستزيدون من إنشاده وسماعه ..

ويرى أيضا أبو بكر الصولي وجوب التفريق بين الشاعر وشعره وبذلك يؤيد نزعة النقد الموضوعي الذي لا يتأثر باعتبارات ذاتية ومقاييس ليست من الفن ولا تصلح لأن يقاس بها الفن.

ويضرب لنا الصولي مثلا واضحا على أن لشعر أبي تمام تأثيرا في النفوس عندما ينظر إليه نظرة مجردة عن الهوى بعيدة عن الذاتية- بقصة ابن الأعرابي المشهورة، فقد قال عند سماع شعره: ما سمعت بأحسن منه، غير أن هذا الإعجاب قد اختفى بين دخان التعصب الذميم، واستحالت الابتسامة عبوسا وذلك عندما قيل له أنها لأبي تمام، فما أن سمع ذلك حتى نفر منها نفورا شديدا وصب ما كان يملك من لعنات على أبي تمام وأمر راويها بتمزيق القصيدة.

وهكذا تحكم الذاتية المقاييس وتدين الجمال الفني بالهوى والشهوات والأغراض فالشعر في ذاته جميل ويستحق الإعجاب بل انه أجمل ما سمع ابن الأعرابي غير أنه بمجرد اقترافه باسم صاحبه ينحدر إلى الحضيض ويحكم عليه بالتمزيق وعلى صاحبه باللعن والشتم.

ويقول أحد نقاد العرب في ذلك: «ما عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب وتجذل بها النفوس وتصغي إليها الأسماع وتشحذ بها الذهان-فإنما غض من نفسه وطعن على معرفته واختياره .. »

وبعد هذا يستعيد الصولي بالله من الهوى وإن كان هناك من يرى لذوي الفضل فضلهم دونما نظر إلى عنعنات خارجة عن الفن والصنعة الأدبية.

ومما يعاب على الناقد أن ينظر إلى الأدب من خلال عقيدة صاحبه ويكلف نفسه البحث عن مصدر عقيدته ليجعل ذلك ضمن مبررات حكمه على أدب صاحبه بل يجب أن يبالي فقط بما قد يكون في أدبه من جودة أو عدمها.

ونجد في بعض اللمحات النقدية ما يؤيد لنا حرص بعض النقاد على البحث في القيم الفنية البحتة ولو كان في الإصابة ما يعد خروجا على القوانين الأخلاقية، فقد عابت الناقدة العربية الفاضلة السيدة سكينة حفيدة رسول الله- عابت جريرا في قوله:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

حين الزيادة فارجعي بسلام

وقالت له- بواسطة جاريتها- أفلا أخذت بيدها فرحبت بها وأدنيت مجلسها وقلت ما يقال لمثلها

فالصدق العاطفي مفقود هنا إذن وموقف جرير العف موقف يشير إلى اضطراب في التعبير عما في النفس لأنه تعبير مخالف للطبيعة البشرية بله الشعراء ذوي العواطف الرقيقة والقلوب الخفاقة للحب والجمال.

ومن استعراضنا هذا لآراء نقاد العرب نلاحظ أنهم اتفقوا على أن للشاعر حريته التامة في التعبير حتى أن بعضهم جعل لكل من الشعر والدين ميدانا خاصا به ومعنى أن حرية الشعر الجاهلي قد استطاعت أن تفرض نفسها حرية الشعر العربي حتى في العصور الإسلامية وتتحكم فيه، وتجعل من نفسها المثل الأعلى له، يستوحي منها مسلكه ومنهاجه وبناءه، مما جعل تلك الفترة المثالية التي عاشها العرب يوم أشرقت في بلادهم رسالة الإسلام، تكاد عديمة الجدوى في التوجيه الأدبي من الناحية الأخلاقية، واستطاع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٤٣