ولا نجد- فيما أحسب- في نقاد العرب من يرى رأيا مخالفا للأصمعي على طول الخط، أي أن الشعر لا تنبع أوزانه غلا في دائرة الخير، وأن كنا نجد بعض الغربيين يتزعم هذا الرأي ويرى أن الفن إذا مل يتبع خطوات الأخلاق ويعمل على بثها في النفوس يحكم عليه بعدم الخلود، وإن كان قد بنى رأيه هذا على فكرة فلسفية مثالية وهي أن العواطف الفظة الأنانية الوحشية سائرة نحو الانقراض غير أن هذا الزعم مسرف في تفاؤله لأن الشر عنصر جوهري من حياة الإنسان كالظلام، أما العالم الذي يوجد فيه ذلك الأدب الأخلاقي السامي يوجد بعد، وما أظن أنه سيوجد!!.
فهذا الناقد الغربي على طرفي نقيض مع الأصمعي الذي ستمر في تأييد رأيه ويضعه الأساس لأحكامه على بعض الشعراء، فنراه يخرج لبيدا من الفحول لأن شعره تعوزه الحلاوة الشعرية لأنه ينبثق عن شخصية صالحة، ولعل صلاح لبيد واستقامته مما يقدم في شعر هو قيمته الفنية عند الأصمعي ..
ونرى في هذا الصدد اتجاها غربيا مجافيا لروح الفن ورسالته المقدسة ... هذا الاتجاه المتطرف الذي يصرح «بأن العشر الجاهلي أقوى الشعر وافلحه معللا ذلك بأن كثرة بني على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة والنعوت الخارجة عن العادات، والألفاظ الكاذبة، من قذف المحصنات وشهادة الزور، وقول البهتان» ومعنى هذا أن الكذب والاستحالة يضفيان على الشعر القوة ويبلغان به مبلغ الفحولة، وأن الشعر كلما تغذى من لبان الشر كلما ازداد نضارة وأنسب روعة .. ويرى صاحب هذا الرأي أن الصدق والأخلاق والدين كل ذلك لا يراد من الشعراء وإنما يراد من الأنبياء ..
وكنا نود لو ركز نقاد العرب رأيهم حول «حياد» الفن عن الأخلاق واللاأخلاق وانه مستقل عن كل بطبيعته عن القضايا الأخلاقية والدينية وان كان قد يؤدي خدمة جليلة للأخلاق عن طريق الصدق الفني، ولكن بعض نقادنا كما رأيت أبي إلا أن يصم الفن بأنه يتغذى من الكذب ومن الشر وانه على هذا يجافي كل خلق حميد… مع أن النقد الحديث يرى أن الصدق شرط أساسي في العمل الأدبي ولا يعد من الأدب ما فقد هذا الشرط الأساسي.
وكان قدامة اسلم في تفكير من هؤلاء الذين أبوا إلا أن يلطخوا الفن ويفرضوا عليه حياة آمنة وجوا مليئا بالكذب والخداع والغش.
وكان عبد العزيز الجرجاني واضح المنهج في هذه القصيدة، فنراه يعجب ممن ينتقض شعر أبي الطيب المتنبي من زاوية العقيدة حيث ذكر في شعره ما لا يتفق والدين، غير أن هذه الناحية لا ينبغي أن تتخذ مقياسا نقديا- في رأي عبد العزيز- لأنها خارجة عن نطاق الأدب والفن.
والأبيات التي وجهت الطعن هي قول أبي الطيب:
يترشفن في فمي رشفات
هن فيه أحلى من التوحيد
وقوله:
أأترك لذة الصهباء نقدا
لما وعدوه من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم بعث
حديث خرافة يا أم عمرو
وإذا نحن حكمنا هذا المقياس لوجب أن يمحى اسم أبي نواس من الدواوين، بل أنه لا يعد في أي طبقة من الطبقات لأنه جال في شعره في مجالات يصادم كثير منها دواعي الفضيلة وروح الدين ويأباها ويبغضها الله.
ويرى الجرجاني انه لو كان يصح أن يتخذ الدين مقياسا لوجب أن نقيم من الأمة حكما على الشعر، فمن شهدت بكفره أسقطناه من دنيا الشعراء وحكمنا على شعره بالإعدام .. ولكان أولى بهذا أهل الجاهلية «ولو جب أن يكون من تناول رسول الله (ص) وعاب بعض أصحابه ككعب بن زهير وابن الزهري بكما خرسا» غير أن الأمر ليس كذلك إذ ميدان الشعر غير ميدان الدين، والدين بمعزل عن الشعر.
وقد طعن بعضهم في شعر أبي تمام بتهمة الكفر وغضوا من حسنه غير أن الكفر- من الناحية الفنية البحتة وفي نظر النقاد العرب- لا يغض من قيمة أي شعر كما أن الإيمان لا يزيده قيمة الشعر، وإذا كان هناك انتقاص فليتوجه للشاعر لا لشعره فكم من شاعر