تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حذر الرسول (ص) من رواية الشعر المنحرف بقوله (ص) لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا أو دما خير له من أن يمتلئ شعرا، ولعل هذا التحذير منصب على رواية الشعر الذي هجى به الرسول (ص) بدليل ما في رواية أخرى من زيادة «مما هجيت به» ولنا أن نعتبر القاعدة عامة لأن كل المسلم على المسلم حرام: ما له، ودمه، وعرضه.

ويروى عن عمر بن الخطاب أنه عندما سمع قول أبي القبس بن السلت:

الكيس والقوة خير من

الإشفاق والفهة والهاع

أعاد البيت وجعل يردده إعجابا بما فيه من حكمة، وسئل احدهم ما البلاغة فأجاب: ما بلغ بك الجنة، ولكن الشعر العربي اختط لنفسه طريقا ولم يتحول عنها منذ الجاهلية إلى الآن، وأيد النقاد العرب وجهة الشعر العربي الذي كان مأسورا لعشر الجاهلي وتابعا لخطواته ... ولم يلزموه بإتباع الأخلاق ومراعاة تعاليم الدين.

ولذلك نرى كثيرا من نقاد العرب يتناولون العمل الأدبي بحرية تامة بل إن بعضهم يغلو في نظرته ويرى أن العشر ميدانه الشر كما سنرى، ونجد الموقف النقدي المتحرر حتى عند من عرفوا بالصلاح، فهذا ابن عتيق يذكر الحرث بن خالد وشعر بن أبي ربيعة في مجلسه فيفضل احد الجالسين شعر الحرث على شعر بن أبي ربيعة، فيرده ابن عتيق الفاضل قائلا: يا ابن أم، لشعر بن أبي ربيعة نوطة في القلب، وعلوق بالنفس، ودرك للحاجة ليست لشعر الحرث ... وأين كان ابن عتيق يرى بعد هذا الحكم الفني: أن شعر بن أبي ربيعة يعصى به الله ... لكن هذا - كما تقدم-لا يقدح في قيمة شعره الفنية وقوة أسره وشدة تأثيره في النفوس.

ونجد أيضا الاتجاه النقدي عند قدامة بن جعفر أيضا: أنه يقف من العمل الأدبي موقفا منهجيا موضوعيا، فهو يرى أن يترك للشاعر حريته في أن يختار من المعاني ويتناولها بصناعته كما يتناول مادة الخشب أو الفضة ليصوغها ولكن يجب أن يبلغ في تجويده وإتقانه بشعره على الغاية المطلوبة في المعنى الذي تناولهن وقد يكون المعنى فاحشا ولكن فحاشة المعنى مما لا يزيل عن الشعر جودته ويطعن في روعته ويؤثر في جماله، وعلى هذا الأساس يغلط من عاب على امرئ القيس قوله:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فإلهيتها عن ذي ثماثم محول

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له

بشق، وتحشى شقها لم يحول

ويرى أن معنى البيتين الفاحش لا يقدح في الجودة الفنية التي بلغها الشاعر في هذا التصوير كما لا تعاب صنعة النجار إذا تناولت خشبا رديئا.

ويكاد يتفق هذا القول مع رأي للفيلسوف الإيطالي كروتشه الذي يرى أنه قد تعبر الصورة عن فعل يحمد أو يذم من الناحية الأخلاقية ولكن الصورة نفسها لا يمكن أن تحمد أو تذم من الناحية الفنية كما أنك لا تستطيع أن تحكم على المربع بأنه أخلاقي وعلى المثلث بأنه غير أخلاقي.

ونجد غير قدامة من نقاد العرب يؤيد هذا الاتجاه تأييدا قويا، فيرى أن ما يطلب من الشاعر صحة التأليف وقوة السبك وروعة التعبير وصحة المعنى ومما جاء في كتاب «الموازنة» أن صناعة الشعر لا تجود ولا تستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص ولا زيادة عليها، ونلاحظ أنهم لم يعدوا من دعائم الشعر الناحية الأخلاقية أو الدينية.

بل أننا نرى الأصمغي يبتعد بالشعر عن ميدان الأخلاق ويرى أن طبيعته لا تتلاءم إلا مع الشر وأن نباته لا يتغذى ولا ينبت إلا في دنيا الشرور والآثام فإذا ما دخل ميدان الخير فإنه يلين ويضعف ولا يبلغ ما يبلغه وهو في الشر، فحسان بن تابت كان شعره قويا في الجاهلية فلما توجه بشعره نحو الخير ضعف وأصابه الهزل، ويرى أن طريق الشعر ليست سوى طريق الفحول كامرئ القيس ..

ويرى أيضا أن مقياس فحولة الشعر وتفوقه أن يعمد الشاعر على المعنى الخسيس فيضفي عليه من ذكائه وصنعته ما يجعله شريفا وتكون له القدرة على تصغير المعنى الكبير وتكبير المعنى الصغير.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٤١