دعوة الحق س2،ع6 مارس1959 ................... ص35
المقياس الديني والخلقي في النقد عند العرب
بقلم: عبد السلام الهراس
إن قضية تناول البحث في النقد عند العرب لاستخراج مذاهب نقدية وأدبية كالتي نعرفها عند الغربيين محاولة تتسم بكثير من التعسف والتكلف، إذ الأدب العربي لا يستطيع أن يسعفنا بأكثر مما انعكس عليه من ذوق العرب وآرائهم وعواطفهم وتجاربهم التي عانوها تلك التجارب التي كانت تختلف عن تجارب الغربيين، ولهذا كان من الطبيعي أن يكون معطيات الأدب العربي مختلفة عن معطيات الأدب الغربي في كثير من النواحي لاختلاف الظروف والتجارب والحياة العامة.
والموضوع الذي أعالجه هذا لا يخلو من صعوبة البحث فيه أيضا، لأنه لم يكن «مشكلة» في النقد العربي القديم بحيث تثير صراعا عنيفا بين مختلف الأدباء والنقاد وتحدث انقساما على التحزب والتشجيع وتجعل كل فريق يجتهد لأن يحتج لمذهبه ويدافع عنه بفلسفة ودليل ... إن هذا لم يحدث، وإن كان هناك شيء فنزر يسير مر كشيء عارض فلم يؤثر في سير النقد العام ولم يستطع أن يحدث فيه أي تيار بارز تام التكوين والخصائص، مما يعطينا الإطار الفني لمدرسة لها مميزاتها الخاصة وخصائصها وفلسفتها.
وهناك صعوبة أخرى وتبدو في أن الآراء النقدية حول هذا الموضوع لم تجمع في كتاب أو تحت موضع وإنما هي مبثوثة هنا وهناك، تحتاج إلى جهد متواصل وبحث شاق لاستخراجها من ثنايا المراجع القديمة .. وقد استطعنا أن يكون «رأيا» في الموضوع وإن كان لا يستحق أن نطلق عليه مذهبا نقديا بالمعنى الحديث لبساطته وسذاجته وعدم ارتكازه على فلسفة فنية وجمالية.
*
من المعلوم أن رسول الله (ص) يعجب بشعر فيه حكمة دينية من ذلك قوله (ص) اصدق كلمة قالها لبيد:
الأكل شيء ما خلا الله باطلا
وكل نعيم لا محالة زائل
وكان (ص) ينصب المنبر لحسان بن ثابت رضي الله عنه وبحثه على قول الشعر بقوله (ص) قل وروح القدس معك، وكان مثل هذا الشعر سلاحا فتاكا يسهر في أوجه الأعداء الذين يناولون الدعوة الإسلامية لأجل تقويض أركان شركهم وتهديم عقائدهم الفاسدة والحط من شأنهم ولكن عندما يخرج الشعر عما رسمه له الرسول (ص) نجده يكره سماعه وينهي عن روايته فقد انشده ذات يوم حسان قصيدة للاعشي في هجاء علقمة بن علاثة التي يقول فيها:
علقم، ما أنت إلى عامر
الناقض الأوتار والواتر
فلم يكد يسمع رسول الله (ص) ذلك حتى قال لحسان: يا حسان لا تنشد هذه القصيدة بعد مجلسك هذا. فقال حسان رضي الله عنه: تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر/ فقال النبي (ص) يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى وإيه قيصر. سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني، وأنه سأل هذا عني فأحسن القول.
ومعنى هذا أن الشعر يجب أن لا يستعمل للاعتداء، ولذلك حرم النبي (ص) روايته وإنشاءه وعندما يحاول الشعر النيل من أحد تمتد يد السلطة القائمة لتمنع الاعتداء وذلك ما نراه في عهد عمر رضي الله عنه عندما سجن الحطيئة عندما هجا الزبر قان ابن بدر.