بغرب أفريقيا وأوساطها، إلا أنه يبدو من الضروري أن تجد مثل هذه التشكيلات-إذا تم لها أن تبرهن عن أهليتها للقيام بالدور الهام المقدر لها- المؤازرة المادية أو الفكرية-على الأقل- من جانب الدول التي يعنيها مستقبل إفريقيا العقائدي وماله من انعكاسات على مصايرها السياسية والحضارية والتاريخية، وقد كان من «الأزهر» في جنوب الجمهورية العربية المتحدة أن بذل في هذا المضمار ضروبا هامة من النشاط جديرة بالتقدير وذلك في شرقي القارة وخاصة في جنوبها حيث «أمكن» على حد تعبير أحد المؤرخين الغربيين المعاصرين-أن يجتذب عشرات بل ومآت من الطلاب السود وذلك في سبيل ترويض الإسلام الأسود وحمله على الانسجام مع إسلام إفريقيا والشرق ... إن القاهرة- يقول الكاتب- تبذل نشاطا جبارا في هذا المجال وهو يتخذ نقط استهداف له: أراضي غربي إفريقيا كغانا ونيجيريا، وقد بدت نتائجه-سافرة- في الحملة على السويس- حيث اعتبرها كثير من السود انهزاما للأماني الإفريقية وإرهاصا بتقهقر خطير للقضية التحررية وحينما توقف العراك عادوا ليعربوا عن ابتهاجهم بذلك معتبرينه انتصارا ساحقا لمجموع القارة الإفريقية ... »
إن هذه البوادر الأزهرية على درجة كبيرة في الأهمية ولكن ليس من شأنها أن تبلغ مداها إلا إذا وجدت مزيدا من الدينامية الفعالة في المراكز الإسلامية الأخرى بالمغرب وتونس على الأخص، فمن الأساسي أن يكون هناك تناسق في العمل بين مصادر الإشعاع الإسلامي بشمال القارة حتى يكون المستطاع مواجهة التحدي الرهيب الذي تخلقه حالات من الصراع بين العقائديات الدينية وبالتالي بين القيم الحضارية في قلب إفريقيا.
إن هذه الصرخات النهوسية التي تطفر من حين لآخر-وبصورة متصاعدة- من جانب الكتاب الغربيين محذرة من خطورة الاكتساح الإسلامي في أعماق القارة ليست في الواقع إلا رد فعل عنيف ليقظة الوعي الوطني الإفريقي بين الجماهير السوداء إذ أن التفكير الغربي يضع في الغالب-كما تمكن ملاحظته- رابطة متينة بين التقدم الوعي الوطني في القارتين الملونتين وبين الشيوعية الدولية من جانب أو الإسلامية العربية من جانب آخر ولهذا فإنني اقدر أن هذا الحذر الشديد الذي تتسم به كتبات كثير من الغربيين بالنسبة لما يمكن أن يقال عن خطورة «الاكتساح الإسلامي» في إفريقيا- ليس له بعد ما يبرره، إذ أنه ليس- في جوهر الأمر- إلا نتيجة «المركب الإسلامي» الذي يجثم على نفسية الكثيرين من هؤلاء أو نتيجة الديماكوجية الدينية التي قد يردون اتخاذها وسيلة للحد من انتشارية الوعي الوطني بين ربوع القارة الصاعدة.
ومهما يكن فإن ركب الحرية الزاحف على إفريقيا ليس له أن ينتهي على نقطة النهاية إلا بعد أن يفضي على تنظيم علاقات مع أوربا على أسس جديدة (ولعل هذا هو التبرير الحقيقي «لمركب الإسلامية» في نفسية هؤلاء الكتاب الغربيين) وقبل أن يتم ذلك أو بعد أن يتحقق فإن انتفاضات الغربيين من خطورة الانتشارية الإسلامية في إفريقيا لا تكون بعد قد استحقت تبريرها الكامل ومدلولها الحقيقي طالما أن هذه الانتشارية المفترضة لا تجد مراكز اندفاع لها أصيلة ومنظمة ببلاد الإشعاع الإسلامي في شمال القارة.
إن الرسالة التي تنتظر من الإسلام أن يؤديها في قلب إفريقيا لا تتركز فقط في إيقاظ الوعي السياسي عند السود-الأمر الذي كم يثير من الاهتمامات في الغرب- إنها أهم من ذلك بكثير، إذ أن المفروض لها- فيما لو أمكنها استنفاد جميع أغراضها الأساسية- أن تهدف إلى تحرير العقلية الإفريقية من أسار التفكير السحري- الوثني وان تضطلع بهدايتها إلى طريق التحرر العقلي والوجداني الكامل، إنها ستكون أساسا لبعث فكري- حضاري جديد إذا أشرق على القارة فإنه سيسهم في تحرير الطاقات الحية التي تتوفر عليها عقول الجماهير السوداء الأمر الذي سيساعد جديا على النهوض بالمجتمعات الإفريقية ويكون-بالتالي- خطوة أساسية في سبيل التقدم الإنساني الأكبر.
إن رسالة الإسلام في إفريقيا وفي غيرها هي رسالة الهدي الحق والوعي الصحيح فليس فيها إذن ما يثير عليها سخائم الآخرين بل إنها تنهض-في الواقع- على قواعد إنسانية مثالية ليس لها إلا أن تجتذبهم إلى الاغتباط بتقدمها ومباركة خطواتها في سبيل الخير والحق والسلام.