تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نتيجة لانعدام ينابيع الحركات الانقلابية الإصلاحية من جهة وعدم وجود استعداد للتأثر بمثل هذه الحركات القائمة في البلاد الإسلامية الأخرى، يؤول ذلك على ما أرجح إلى علتين أساسيتين:

1) طبيعة الحقائق التاريخية التي ترتبط باتصالات الإسلام الأولى بالمنطقة وعقلية الدعاة الأولين الذين كانوا وسيلة اتصال السكان بالدعوة. 2) النشاط المضاد الذي يقوم به المسؤولون عن الوجود التوسعي في القارة، وعلى الرغم من أن العامل التاريخي الأول كان له في هذا المجال تأثير بعيد فإن العامل الثاني الحالي يمكن أن يعتبر بالنظر لبعض الحالات أشد وطأة وأقوى مفعولا.

وليس مفهوم النشاط المضاد هنا ما يرادف معاني الاضطهاد والتنكيل، بل أن الإسلام-على النقيض من ذلك- ينعم في أرجاء كثيرة من القارة بما فيها الجانب الغربي بعطف سطحي ومظهري كبير من جانب المسؤولين المسيحيين!! بل أن البعض شعائره -كالحج مثلا- كانت تلاقي من عناية أولئك المسؤولين وحد بهم ما يستشير الاستغراب! ولكن الحركة الإسلامية بالرغم عن ذلك لا تكاد تحدث في هذه المناطق أي تأثير هام على المجتمع الإفريقي في مستوياته الفكرية والاجتماعية والنزوعية وغيرها، وإذ كانت ظاهرة التخلف الإسلامي هذه تتجلى ارتساماتها في كثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى في آسيا وغيرها (الفلبين وسيلان مثلا) فإنها بالنسبة للمجتمعات الإفريقية تبدو وهي أشد إلحاحا وأكثر وضوحا وبروزا ويؤول ذلك -في بعض النواحي كما سلف أن ألمحنا إليه- إلى نوع الأساليب الخاصة التي تمرس بها التوسعيون ودأبوا على انتهاج تطبيقها في المناطق الواقعة تحت أنظارهم، ومن بين تلك الأساليب التي تندرج في مفهوم «النشاط المضاد»:

1) استمالة بعض القيادات الإسلامية المحلية واصطناعها 2) تشجيع التشبث بالحزبية الدينية بما لها من انبثاقها طائفية- انطوائية. 3) الحؤول-بصورة أو بأخرى- دون توفر الفرص التي يمكن فيها تلقيح المجتمعات الإسلامية المحلية ببوادر التطورات الإصلاحية الدينية في الخارج.

وهكذا أمكن للإدارة التوسعية في عهد الاحتلال المباشر أن تطمئن-في مناطق نفوذها -كاتحاد غربي إفريقيا مثلا- إلى وجود «إسلام إفريقي» تسوده روح الغيبة والتواكلية والانهزامية تلك التي يباركها «القديسون» من صنف أحد «علماء» الديار السودانية- له الهداية والرشاد (2).

على أن الإسلام-من جهة أخرى -يلاقي- باعتبار صبغته الدينية ومع الإغضاء عن تأثيره الفكري والاجتماعي-يلاقي بين أحراش إفريقيا وتحت شمسها اللافحة كثيرا من سبل الذيوع والانتشار بشكل مطرد ومتواصل ويدهش المراقبين الأجانب ما يبدو منه من أنه ينتشر في بعض الأحايين بصورة تلقائية بين مجتمعات لا تكون تعرف- قبل اتصالها به- عن العقائديات الدينية إلا ما يتصل ببعض الطقوس الوثنية المحلية، ولو أن الدعوة إلى الإسلام كانت تقوم على أساس من التنظيم الشامل والإقناع العقلي الفعال لكان لنا من ذلك سبيل إلى القول بأن روحه التحريرية للفرد والجماعة قد يكون لها-بالنسبة لوضع السود الشائن- دخل كبير في شدة الإقبال على اعتناقه بين المجتمعات الإفريقية ولكن ما نلحظه من تلقائية انتشاره وتغلغله لا يمكن أن يفسر إلا على أساس البساطة التي تنطبع بها تعاليمه مما ينسجم وطبيعة الفطرة الإنسانية المتجردة عن تعقيدات الحياة المتحضرة كما هو الشأن مثلا بالنسبة لقبائل «الألوف» و «الاشانتي» و «البامبارا» وغيرها من وحدات المجتمع القبلي الإفريقي، ولكن هذه الانتشارية التلقائية التي يحظى بها الإسلام في قلب القارة ليست مما يخلو من المحاذير والاسواء فهي- كما سلف أن لحظنا- من أساسات هذا الضعف في فعالية الطاقة الهادية الموجهة للإسلام في المجتمعات الإفريقية، والعلة هي في انعدام وجود القاعدة التنظيمية التي تنهض عليها العمل التبشيري في ربوع القارة، والأمر بالنسبة للمسيحية يختلف اختلافا جوهريا، ولو أن الدعوة العيسوية كانت مما يشكل المميزات والخصائص التي ينعم بها الإسلام لكان الوضع الديني فيما وراء الصحراء الكبرى-في بعض المواطن- الوضع الذي يسود الحبشة مثلا؛ وذلك أن حركة التبشير بالنصرانية بين الجماهير السوداء تكاد تكون-باعتبار الإمكانيات التنظيمية

(2) - لقد سلف لهذا " العالم" ان تطوع بدعوة المناضلين الجزائريين- في إحدى المحطات الإذاعية الواقعة تحت المراقبة الفرنسية- إلى الاستسلام

غير ناس أن يستشهد على ذلك بأي من القرآن ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٣٦