تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جوهر الأمر العالم الفريد في اكتساء الإسلام كل هذه الأهمية التي تنعم بها في القارة أن هناك من العوامل الأخرى ما كان من شأنه أن يثير انتباه الملاحظين بل ويستفز مشاعر البعض منهم!! بالنسبة لمستقبل العقيدة الإسلامية في الأرض الإفريقية وبين التكتلات الجنسية السوداء على الأخص، وينصب الاهتمام بصورة مركزة على مدى ما تحدثه القيم العقائدية الإسلامية من تأثير على بعض جوانب العقلية الإفريقية مع ما يمكن أن يكون بهذا التأثير من إمكانيات تعديلية جوهرية في التفكير الاجتماعي والإنساني عند وحدات المجتمع الإفريقي الموغل بعضها في البدائية المطلقة؛ فالإسلام بما يحمله من عناصر إصلاحية جوهرية وبما يتركز حول مفاهيمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من إمكانيات انقلابية جذرية ليس من شانه -في الواقع- إلا أن ينسف كثيرا من عناصر المركب العقائدي الإفريقي تلك العناصر التي تتحكم في توجيه التفكير العام لكثير من الكتل السوداء بهد أن أسهمت- ماضيا - في إعدادها لأن تكون مجال تحقيق الأهداف التوسعية الغربية.

إن من نافلة القول التأكيد على مدى التقدم الذي أحرزته الجماهير الإفريقية في بدء انطلاقتها الحالية الكبرى نحو التحرر السياسي والنهوض القومي ولكن هذه الانطلاقة لا يمكن -مع ذلك- أن تستنفذ -في الواقع- أغراضها وستتم مسوغتها إلا إذا كانت أيضا أساس للتخلص من رواسب الذهنية المتخلفة في مجال التصور الديني، إذ أن لذلك كل موجبات الارتباط بالتحرر العقلي الأكبر الذي هو القاعدة الأساسية في بناء الكيانات السليمة القوية المتقدمة.

إن الأوضاع الدينية الحالية في كثير من المجتمعات الإفريقية ليس من شأنها-في الواقع- أن تعين على توفير أسباب هذا الانطلاق العقلي المنشود بل إنها - في بعض الجوانب- قد تحد من آفاقه وتقف به عند نقطة الابتداء وذلك بالطبع نتيجة حتمية لما يسود التفكير الوثني الإفريقي من روح الطقوسية الدينية البدائية التي تتناقض أحيانا ومستلزمات التطور الفكري والتي لا تزال ذات فاعلية حية وتأثير عميق في حياة الكثير من المناطق الإفريقية المختلفة.

وتبتدئ بعض مظاهر هذه الروح فيما يلي:

1) التفكير الغيبي السحري 2) الروح الخرافية- الأسطورية التي تتدخل في شرح كثير من ظواهر الحياة وتحدد سلوك الأفراد فيها (وقد كان من آخر مظاهر ذلك عقيدة «التيبامبيل» Thypambule المتعلقة بطرد الأرواح الشريرة والتي انتشرت في «أنكولا» آتية من الكونغو البلجيكي). إن الإسلام كعقيدة وكمنهاج ليس له -في حالة توفر العوامل المساعدة- إلا أن يؤثر في تعديل هذه الحالات العقلية والاجتماعية التي تتضافر على إبقاء الكثير من الجماعات الإفريقية في وضع ينأى بها من الإسهام في التقدم الفكري الإنساني العام.

وهذا ما يمكن أن يفسر هذه التخوفات التي تنضج بها كتابات الغربيين عن الإسلام بالنسبة لمستقبله في إفريقيا السوداء حيث يخشى أن يتخذ طريقه القومية على التغلغل في أعماق النفسية الإفريقية فيساعدها على التحرر من عقد النقص والخوف وقابلية الاضطهاد والاستغلال؛ وتبدو هذه المشاعر الارتيابية عند ذوي الآراء التوسعية منهم بصورة أكثر حدة وعمقا، فقد كان لهذه الأهمية القصوى التي يكتسبها الإسلام في انتشاره بالقارة ما كان من شأنه أن يحذرهم إلى مضادته بكل الوسائل غير المباشرة بما فيها تشجيع الاستمساك بمظاهر الطقوسية الوثنية العتيقة!! على أن هذه الروح الطقوسية في المفهوم الديني لا تختص بالجماعات الفتيشية وما في نوعها، إنها تتخذ إشكالا مظهرية أخرى لا تقل أهمية -مع الاختلاف في الجوهر- في المناطق الإسلامية الأصلية ذاتها، فالدين الإسلامي الذي ينعم-في إفريقيا الغربية العضو في الجامعة الفرنسية- بنفوذ معنوي ضخم- يتشح في كثير من الأحيان بأردية ميثلوجية تحيل كثيرا من جوانبه الهادية المشرقة إلى عوامل تقهقر اجتماعي وانتكاس فكري مثير فالفكرة الإسلامية عند الجماهير السوداء في المنطقة لا ترتبط-عند الكثيرين- ارتباطا متينا بالمفاهيم الإسلامية الكبرى بما فيها من عناصر تقدمية تطورية بقدر ارتباطها بالولاء لبعض مظاهر التحزبية ( sectarisme) الدينية التي تستمد أساساتها الأولى من تهاويل الغيبيات المطلقة وتستنزف مادتها الرئيسية من مجموع المدركات التي تتشكل منها قاعدة التفكير الطقوسي الديني في أكثر مظاهره جمودا ورجعية، وآية ذلك ما يمكن أن يتحسسه الملاحظ من غرابة في المفهوم الديني عند كثير ممن يمكن الاتصال بهم من مسلمي المنطقة الذين لا يقل-مع ذلك- استمساكهم بالعقيدة عن غيرهم من المسلمين، وبرهان ذلك أيضا ما يمكن استنتاجه من توفر مظاهر الركود الفكري الديني

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٣٥