التي تحظى بها-جهازا فريدا لتحقيق أهداف من الغزو السيكولوجي والوجداني الشامل، وأن دراسة تفصيلية للمعطيات النظرية والتطبيقات العملية التي تنهض عليها بناء هذا الجهاز لتعطي المراقب السطحي فكرة واضحة عن مدى ما ينتظر من وراء هذه الإرساليات من انعكاسات انقلابية في الأسس الروحية التي قوم عليها بناء المجتمعات الملونة في القارة وليس من اليسير جدا تعليل هذا الكلف بالتبشير الذي يبدو على بعض الإرساليات الدينية التي يعتزي بعضها لدول لايكبة صرفة، كما أنه ليس من السهل جدا تعليل هذه الإمكانيات المادية الواسعة التي تتوفر عليها هذه الإرساليات لو أن الأمر كان ينحد ضمن النطاق الديني الروحي البحث ولا يتجاوزه إلى غيره، لكن الأمر على اتساع النطاق من ذلك بقدر كبير إذ أنه يعدو الهدف الديني الصرف ليشمل الغايات السياسية والتوسعية بعيدة المدى، فقد غدا من الأساسي بالنسبة للحركة الإكتساحية الغربية أن تعتمد في بقاء وجودها على أساليب الغزو المعنوي بعد أن أصبحت الأسلحة المادية في تحقيق هذا الهدف غير ذات غناء، ويتخذ هذا النوع من الغزو صورا وإشكالا متنوعة تتصل بالحضارة واللغة والتفكير، وقد بدا أيضا أن لها كذلك ارتباطا بالدين كعامل هام في ضمان الوجود والاستمرار للأوضاع التوسعية بما لها من أوجه مختلفة ومتعددة، وقد كانت الحركات التبشيرية-في الواقع -منذ أزمان متباعدة- غايات سياسية مقنعة إلى جانب الأهداف العقائدية الدينية ولكن تحليل المظاهر الأخيرة لأصداء النشاط التبشيري في كتابات بعض الغربيين على الأقل يمكن أن تدلنا على أن الجانب السياسي من حركات «الغزو الديني الغربي» أضحى أكثر بروزا ووضوحا، ويتجلى ذلك -مكشوفا- في طبيعة رد الفعل الذي يبدو على هؤلاء الكتاب من الجهود المتواضعة التي قد تبذلها بعض الحكومات العربية في سبيل نشر الثقافة الإسلامية في داخل القارة، فإذا كان وجود الطلبة الإفريقيين في الأزهر يشكل «خطرا مدلهما» على النفوذ المعنوي للغرب-كما يردد بعض المؤرخين الغربيين المعاصرين- فإن اعتزام حكومة «غانا» إنشاء جامعة عربية في «عكرا» بالإضافة إلى سلسلة من المدارس العربية الأخرى قد اعتبر أنه من أكبر الضربات التي يمكن أن توجه للنفوذ المعنوي الغربي، ويقول كاتب فرنسي في هذا الصدد: «إن الملاحظين الحذرين من الإسلام لم يألوا جهدا في إيقاظ الأفكار حول هذه التيارات السياسية التي تنطلق من منطقة الشرق الأدنى والتي تزحف تدريجيا باسم التضامن الإسلامي، وان المطالب الوطنية المغربية ... تلك التي أمكنها أن تنال تأييدا حماسيا من الشباب المغربي والتي تتصل بمد حدود المغرب إلى «سان لوي» بالسنغال هي مما يندرج ضمن هذا التيار ... »
وهكذا نرى أن الانتشارية الإسلامية تتخذ عند هؤلاء الغربيين مدلولات سياسية بعيدة المدى إلى حد اعتبارها أساس لتفسير الحركات المطالبة الوطنية كما هو الشأن بالنسبة للصحراء المغربية مثلا.
وبقدر ما تتبلور هذه المخاوف «الإسلامية» في أذهان هؤلاء المفكرين الغربيين بقدر ما يشتد حرص المسؤولين عن حركات التبشير المسيحي على التذرع بمختلف الوسائل الممكنة لتعديل الوضع الناجم عن الانتشارية الواسعة التي ينعم بها الإسلام في ربوع القارة، وقد بدا أخيرا-في هذا الصدد- أنه من الملائم-بالنسبة لمستقبل العيسوية بإفريقيا- أن يتخذ المسؤولون عن حركات التبشير المسيحي موافق وعلى هذا فقد عنيت روما باستثمار كل الفرص الملائمة لتعويض الأساقفة البيض بآخرين من ذوي البشرة الدكناء، وذلك كخطوة ايجابية عملية في سبيل أفرقة المسيحية السوداء ليتوفر لها بذلك اكبر قسط من فرص الذيوع والانتشار، بل إنه يبدو أن هناك ارتسامات اتجاه مسيحي يستهدف-في المحط الأول- اتخاذ حالات انسلاخ مظهري من الغرب-الحاكم المتعسف حتى يكون في المستطاع تحقيق نوع من التوفيق بين المسيحية من جانب وبين الأماني التحررية الإفريقية من جانب آخر، ويبدو أن هناك كثيرا من المماذقة والمداورة في هذا الرداء «الوطني» الذي أصبحت تتشح به-في بعض النواحي- السياسة التبشيرية المسيحية، وإلا فبماذا يمكن توسيخ موقف الكنيسة والكنائسيين من مأساة التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا؟ و بماذا يجوز شرح سلبية الموقف الكنسي من أساليب التنكيل المنصب لهيبها على هامات الجماهير الإفريقية في «كينيا» و «الكونغو» وغيرهما، لقد سلف للكنيسة الكاثوليكية أن اتخذت مواقف متميزة وحاسمة ضد كثير من «الظواهر السياسية والاتجاهية» في أقطار أخرى كهنغاريا وبولندا والصين الحمراء وغيرها وقد كان من المنطق أن يكون رد الفعل الكنسي أمام مشاهد القسوة والعنف في إفريقيا أكثر حدة وحرارة وذلك بالنتيجة لما يلي: