وهل كان العطاء وحده هو الذي يدفع القيسراني أن يقول مهنئنا نور الدين باستقرار أمر دمشق له، نافضا بين يديه أحلام الناس وأمانيهم:
كأني بهذا العزم لا فل حده
وأقصاه بالأقصى وقد قضي الأمر
وقد أصبح البيت المقدس طاهرا
وليس سوى جاري الدماء له طهر
أليس هذا الذي كان بقوله هؤلاء الشعراء في هذا العصر المتأخر أو ذلك التقدم إنما يعبرون به عن روح الجماعة المنطلقة .. عن آمالها التي تتحرق- أعماقها اندفاعا للوصول إليها؟ .. ألم يكن هؤلاء الشعراء في هذا لهاة الناس .. لسانهم .. ؟ .. ليكن ما يكون من أمر هذا القالب الخارجي الذي صيغ فيه هذا الشعر ... ليكن المديح قالبه، وطلب العطاء بعض ما فيه، فليس ذلك شيئا أمام روح الأمة التي كان يعبر عنها الشعراء بهذا الشعر .. وقد آن لنا بعد أن نسمي الأشياء بأسمائها البعيدة وان نطرح عنها هذه الأثواب الزائفة التي كسيت بها .. آن لنا أن نقول أن ما نسميه هجاء أو مديحا ليس إلا طرفا عارضا في القصيدة، وان القصيدة من قبل ومن بعد ليست حين يكون في موضعها الحق من الصدق النفسي والتجاوب مع مطامح الجماعة والتعبير عن مطامعها والتمثيل لتطلعها ليست إلا روح هذه الجماعة وتصويرا لمثلها الأعلى وتعبيرا عنه.
وإذا كان هذا حقا في أكثر فترات الازدهار في حياتنا الأدبية، تدل عليه القصائد، وتنبئ عنه الأشعار .. فإن فترات الانحطاط بعد سقوط بغداد تؤيد ذلك تأييدا سلبيا .. ذلك أننا ننظر في الشعر الذي قيل في هذه الفترة، في مرحليتها المتميزتين مرحلة التثار ومرحلة العثمانيين، فلا نجد شعرا ذا بال» بله أن نجد القيم البطولية التي يعبر عنها الشعر أو يبشر بها، نجد قصائد ومجاميع، وتطالعنا مختارات وداوين، ولكننا لا نجد إلا في النادر الشعر الذي يعبر عن روح الجماعة ويمثل تطلعها .. إننا نجد موسيقي الشعر ووزنه ولكننا ى نحس حرارته، ولا يتوهج في أعيننا ألقه .. كل مظاهر الشكل نلمحها، ولكن أبرز سمات الروح تخفى علينا ... فما الذي حجب عنا أصالة الإنتاج الفني شعرا كان أو نثرا ... ما الذي رد هذه الزهرات الندية زهورا اصطناعية جافة جامدة لها شكل الزهر، ولكن ليس فيها النسخ الروحي الذي فيه؟! وبالتالي ما الذي حجب القيم الكريمة في أعماق الروح العربية؟.
إن تفسير ذلك لا يبدو عسيرا .. إن الروح العربية- كائنا من كان أولئك الذين مثلوها خلال هذه الفترات قبل سقوط بغداد- فعلت كل الذي استطاعت فعله .. صدعت بالدعوة، وحملت الرسالة وطلعت إلى الناس بعد جاهليتها بروح إنسانية عريضة تجعل من الإنسان المؤمن مركز الحياة في الأرض، وتسخر له كل شيء في الآفاق .. ولكن هذه الإنسانية العريضة التي أرادت أن تبنيها، لقيت كل العراقيل، فجاهدت وعملت، وعلمت وعلمت، حتى إذا أدركها بعض الإعياء أثرا لهذه السلسلة من الأرواح الخبيثة التي وقفت في طريقها، روح العصبية فيها روح الثأر عند الذين أججوا الفارسية، وروح التسلط عند الذين بعثوا التركية وروح الخراب مع هذا الاجتياح المغولي، وروح التعصب والحقد في هذا الخطر الوافد من الغرب .. الروح العربية السمحة حين قليت كل هذا وقفت عند الذي أشاعته وأشعته ثم تركت لهذا الخليط المضطرب أن يفعل ما يشاء، فإذا العصبية المنحرفة تفسد المعنى القومي السليم، وإذا الفارسية تفسد الروح الإسلامية التي تقوم على المساواة، وإذا التركية تفسد روح الدولة، ومع ذلك فقد ظلت الروح العربية تغالب ذلك كله بحضارتها وثقافتها ورسالتها ولغتها، غير أن بدائية المغول وعصبية الصليبيين تستنزف في هذه الفترة الزمنية التي نتحدث عنها ما بقي في روحنا الأصلية من قوة .. فإذا نحن ننزاح عن مكان الزيادة، ولا يكون للعروبة الصافية بمعناها الذي خرجت به من الجزيرة موضع القيادة وإنما تتابع على القيادة هذه القوى المختلفة الهرمة والشابة، ولكنها كلها لا تملك من الأصالة وعمق الروح وتعمق المثل الأعلى القدر الذي كان للأجيال الأولى، ولذلك لا يكون لها في دفع هذا الركب البشري في طريق الحضارة الصاعد إلا دور ثانوي، وان كان توفر لبعضها من القوة ما فرض به وجوده، وشيد ملكه، وأعطى الشرق معنى الهيبة في نظر أعدائه الغربيين
ومع خمود الروح الأصلية خمد الشعر منذ سقطت بغداد .. كان صوت صفي الدين الحلي آخر الأصوات التي نفخت فيها هذه الروح مزاميرها، وقال صفي الدين شعره تتخلل ثناياه نفحات من الروح العربية المنتفضة .. حرض على المغول وحذر منهم وكان ذوو السلطان حوله يفقهون قوله لأنهم كانوا بقية من هذه السيوف العربية التي سكنت أغمادها بعد، وبقية من السيف التي طبعت على غرارها السيوف الأبوبية ومن أتصل بها متأثرا خطاها ...