ويقف الواحد منهم وراء الآخر في سلسلة الأحداث أروع ذكيا كجبل شامخ يستعلي على كل ما في الوادي والسفح، يعري ذراعيه وقد بدت عروقها، يحرز السفينة ويسير معها وسط الضباب والموج من مسرب إلى مسرب حتى ينتهي بها إلى الأمان.
«في هذه الفترة وفي فترات حولها، قبلها وبعدها، كانت البطولة التي تكشفت عهنا الروح العربية في ذلك الحين تعني المقامة والتكبر على الأحداث .. أريد أن أقول تعني نشأة المقاومة وتكونها وتجمعها حتى تقف بالإعصار الآتي من الشرق والآتي من الغرب على السواء للإعصار التتاري وللإعصار الصليبي، وبدت هذه البطولة في دفع الصليبيين مرة بعد مرة حتى خرجوا عن مصر والشام، وارتدت القدس مدينة من مدن العرب وحرما مقدسا من حرمات الإسلام» وانكشف الدخلاء عن السواحل والداخل، وتبدت كذلك في هزيمة التتار، والوقوف بمدهم هذا الطاغي في معركة عين جالوت حين رد الملك الظاهر جيشهم العاتي أذاقهم طعم الهزيمة بعد أن كانوا لا يعرفون إلا حلوة الانتصار ... وكانت بطولة جيش الظاهر لا تحمل معناها المادي فلعل معناها المادي هذا أن يكون أضعف ما فيها .. وإنما تحمل معناها البعيد في صيانة الضارة وحماية المدنية وثمرات الفكر أن تكون طعمة للنار يوقدها رعاة الأغنام والأبقار والخيل.
والمقاومة: روح المقاومة وخلق المقاومة، وإيقاظ معاني المقاومة والحيلولة بين الناس وبين أن يغرقهم الاستسلام ويتملكهم اليأس، وإثارة كل ما في نفوسهم من أمجاد وقيم، وشدهم إلى مثل أعلى هدفه أن يدفع الدخيل الخادع وأن يمكن للأصيل المؤمن .. هذا كله ابرز معاني البطولة في جزء كبير من هذه الفترة التي حدثتكم عنها .. أنها لم تكن بطولة مادية وإنما كانت بطولة رأي وكفاح من دون هذا الرأي، وبطولة تجرد وجها في سبيل هذا التجرد.
«ولقد تعودنا أيها السادة أن نجد معاني هذه البطولات أول ما نجدها في عصر من العصور عند شعرائنا .. لأن شعراءنا كانوا بحكم أنهم من أبناء هذه الأمة من نحو وبحكم صلاتهم بالسلطان من نحو آخر- كانوا أقدر الناس على أن يعبروا عن هذه المعاني وأن يحسنوا صياغتها .. كان فيها التعبير عن أنفسهم وكان فيها كذلك تحميل أصحاب السلطان مسؤوليتها مما وضعهم أمام مسؤولية التاريخ والزمان .. ومن هنا أيها السادة كان شعر المديح جديرا أن ينظر غليه في تقويمنا للتراث الشعري وفي دراستنا الأدبية نظرة أخرى .. إنه ليس دائما خور استجداء وذلة استعطاء .. أننا نظلم روح المتنبي الدافقة وشموخ أبي تمام المستعلي وتمكينهما للقيم الأصيلة في النفس العربية حين نعد شعرهما في المديح مديحا فحسب .. بل لعل المديح أن يكون ثوبه الظاهر قالبه أو شكله الخارجي أو مناسبته العارضة .. إن الروح، روح تقديس، الاستشهاد عن نصر أو هزيمة هي التي أملت على أبي تمام رائيته في رثاء محمد بن حميد الطوسي وهدير الروح العربية العميق كهدير المياه الجوفية تنبجس من نبع متدفق هي التي كانت تدفع المتنبي أن يقول ما يقول مؤمنا بسيف الدولة أو كافرا بكافور» .. ومن ذا الذي يزعم أن العطاء وحده هو الذي كان يدفع القيسراني إلى أن يقول مهنئا وزير نور الدين «جمال الدين أبو جعفر الجواد» بفتوح مدينة الرها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة:
أما آن إن يزهق الباطل
وأن ينجز العدة الماطل
إلى كم يغب ملوك الضلا
ل سيف بأعناقها كافل
فلا تحفلن بصول الذئاب
وقد زار الأسد البازل
هو السيف ألا تكن حاملا
لبزته بزك الحامل
إلى أن يقول يستعجل فتح القدس واستخلاص السواحل:
فإن بك فتح الرها لجة
فساحلها القدس والساحل