تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك نجد كثيرا من شعر صفي الدين معارضات، ونجد عنده مثل الفخر الذي قراناه في العصور الأولى ... ولكننا ندرك بوضوح، ونحن نقرؤه، أننا لسنا أمام الشاعر الذي كنا نعرفه، لسنا أمام حسان أو المتنبي أو أبي تمام، وان كان يلبس مسوح المتنبي ويكتسي أثواب أبي تمام، ويستعير أوزانهما وقوافيهما .. أن شعره صورة باهتة للشعر في معناه السليم .. ولقد خيل إلي وأنا أقرؤه كأنما أنا أحيا في الكهف الذي ترتسم على جداره ظلال الأشياء .. ولكنني لا أحيا مع الأشياء ذاتها .. أن صوته يرتفع كما يرتفع صوت الشعراء ولكنه لا يحمل دفقة قلوبهم ودفء عواطفهم، وتلك هي التي تهب الأصوات عادة رنينها المتميز.

وفي الوسع أن نعتبر صفي الدين من هذا النحو في المشرق خاتمة الشعر الذي يرنو إلى المثل العليا، وترتسم عليه بعض سمات البطولات العربية ... فأما الذين جاءوا بعده فقد لفتهم نزعة العزلة التي آثرتها الروح العربية لمكان القيادة.

«ومن هنا أيها السادة يعسر علينا العسر كله أن نلتمس معاني البطولة أية بطولة، في الأدب في هذا العصر .. وكلما مضينا مبعدين فيه كلما شق علينا الأمر .. قد نعثر على البيت أو المقطوعة أو الشاعر في لمحة خاطفة من لمحات الإشراق المفاجئ .. ولكننا لا نلمح الثروة الشعرية الكاملة لأن الروح التي كانت تمدها آثرت الانكماش».

وكذلك ترون أيها السادة أننا لن نستطيع أن نلتمس البطولة كما كنا نلتمسها في العصور الأولى، عصور الدعوة والانطلاق والأمويين والعباسيين- من الأدب أعني من الشعر والنثر، وكما سنلتمسها بعد في عصور النهضة .. وأننا أن نفعل ذلك فإن نجد شيئا .. سنقرأ كثيرا من الدواوين، ونعرض عديدا من الشعراء، وتطالعنا القصيدة بعد القصيدة ... ولكنا لن نجد في كل القصائد التي نقرؤها والشعراء الذين نتعرف إليهم، والدواوين التي نعرضها ما نحب أن تقع عليه ... لن ينبض شعر هؤلاء الناس نبضة الحياة العميقة، ولن يتحدث عن موحد الأرواح الذكية القلقة وتطلعاتها واهتماماتها البطولية ... أن الحرف الذي صيغ به هذا الشعر عربي لم يتناول عن عربيته في ذلك وإن كان أفسح للحرف التركي والفارسي مجالا كبيرا ... ولكنه حين تمسك بالحرف العربي لم يقبس معه شعلة هذا الحرف ولا وهجه ولا مرتكزه النفسي العميق الذي يقوم عليه، ولا آفاقه البعيدة التي يفتحها ... لكان الحرف العربي في هذا الشعر أصابه شيء من عمى، فأضحى وقد سدت عليه منافذ الوجود ... ولكأن الشعر الذي صيغ منه جاء كذلك مقفلا مصمتا ليست له المطلات الواسعة، وتختبره تصغى إليه فلا تسمع له لا وسوسة ولا جلجلة ولا تحس له لذع الوهج أو نشوة الدفء.

وقد قرأت كثيرا من الشعر في هذه الفترة وفاء لشرف هذا الموقف فكان أكثر ما وجدت الغزل كانت كثرته بالغة وكان إلى جانبه الأحاجي والتهنئة بالأعياد والختان، والاخوانيات التي لا تتشرب المعاني الإنسانية الشاملة ولا تتفتح عليها ... ولم يكن في كل هذا الغزل الذي قرأته ماجنا أو متعفنا ما يصح أن نقف عنده ... وكنت اقرأ فأجد ظلالا باهتة من شعر المتقدمين ... بل لعل الذي وجدته لا يعدو أن يكون أطلالا خربة للغزل الرائع الذي نعرفه في عصورنا الأولى والذي حاول أن يسبر غور النفس، وان يتعمق دهانا وأن ينفذ إلى سرائرها إذ يتحدث عن سرائر الهوى ومسارب الحب. بل كان أكثر الذي قرأته معادا مكرورا في كثير من التشويه .. وكنت اشعر كأنما امضي في ارض قاحلة ترتع فيها بعض النباتات الشائكة لها اسم النبات ولها شكله ولكن لها منه خيره الذي ينفع فما هو شوكه الذي يؤذي، وأكثر من هذا أن هذا الغزل الجاف لم يحجب معاني البطولة ولم يستهلك قوى الجماعة الفنية واهتماماتها النفسية فحسب ... ولم يكن من سيطرته أنه غطى أكثر جوانب النفس الإنسانية في ذلك وإنما كان له إلى جانب هذا عمل آخر ... ذلك انه امتص معاني البطولة وأفسد شعراتها- فيما نقول بلغة اليوم- أنه استخدم ألفاظها ليشوه مفاهيمها، أو ليعطي هذه المفاهيم مضمونا معاكسا يثبته في القلوب والأذهان كالذي نلمح اليوم من الاحتماء ببعض المفاهيم والطعن عليها في آن واحد، الاستتار وراءها وتمزيق أطرافها ... وكان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٢٤