تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينقل .. أنه، بمعنى آخر، حرص على أن يقف من الأحداث موقفا حياديا .. فإذا أنت تقرؤه حين تقرؤه فلا يصدمك فرحه وحزنه، رضاه أو سخطه .. وما أكثر الأحداث التي مر بها، والوقائع التي عرضها، وما أغنى هذه الأحداث والوقائع .. منذ نشأت هذه الأمة العربية الجديدة ... ولكن ابن الأثير هذا حين بلغ الحديث عن قصة اعنف غزوة همجية سربلت العالم، والتهمته كما يلتهم حوت هائج سمكة وادعة جميلة، ترقص أجنحتها السحرية رقصة الحياة السعيدة، حين بلغ هذا كان مجرد ذكرى هذه الغزوة يثير عنده الهول والفزع .. ومن المؤكد انه أحس الجفاف في حلقه، وأن قلمه ذا الشباة المنطلقة المرهفة التي كانت تنفرج عن الحديث الشهي الطيب رجف في يديه رجفة الإشفاق أن يسطر قصة هذا السيل الهمجي الغاشم الذي أتى في طريقه على كل معالم الحضارة التي صاغتها الحياة العربية من الق عيون أبنائها ذرة بعد ذرة، من توهج الإبداع وبريق الحدس، من صوب العقول، وحصاد الذهن البشري الذكي، حين يجمع على ثقافته كل الثقافات التي سبقته، وإلى تجاربه كل التجارب التي تقدمته، وإلى حماس الرغبة قوة الإرادة وجلد البحث، ودأب العمل وسهر الليل الطويل في سبيل الحرف والرمز والكلمة والفكرة .. وفي سبيل الخط والرقم والمعادلة، وفي سبيل الصيغ واللون والتركيب .. حتى كان من كل ذلك هذه الحضارة التي انتشلت ماضي الإنسانية، وأنقذت الفكر القديم من وهذه الجهالة التي آل إليها ثم أغنته، ورفدته، وأضفت عليه وأضافت إليه، وشقت له طريق المستقبل، هذا الذي يعيش فيه اليوم ... اجل لقد رجف القلم في يد ابن الأثير ... ما أترضى أن يكون هو الذي يسطر للأجيال، لكل الأجيال الإنسانية من بعده، هذه المأساة .. فاغفل الحديث عنها سنة بعد سنة ودافعه عاما بعد عام ... حتى إذا لم يجد متأخرا بدا حديثه عن سنة سبع عشرة وستمائة (617) بهذه الصفحة التي صاغها من دموع عينيه ومن دموع قلبه على السواء .. هذه الصفحة التي كانت كأنما هي دفعة آهات حرى .. ولو كان لها، هذه الصفحة، أن تحيا في وجدان شاعر لصاغ منها أروع أناشيد الألم في تاريخ الإنسانية منذ كانت.

تمنيت أيها السادة لو قرأت عليكم هذه الصفحة .. إنها تصف كيف خرج التتار كالسيل الهادر يجرف كل ما في طريقه، فإذا الأشجار أحطاب وخضد، والبيوت أحجار، والمدن خرائب .. وإذا العاصفة تذرو كل شيء، وإذا هؤلاء المنطلقون كأنهم جن أسود، قد انشعبوا هنا وهناك كأقدام إخطبوط مسلطة في كل وجه، فأتوا على المدن كما يأتي سرب من جراد على جنة أرض، فيجعلها جذوعا يابسة لا ثمر ولا شجر .. وإلى ذلك آل أمر كاشفر وسمرقند وتعالت ألسنة النار في بخاري، وقودها كل ثمرات الفكر، وقطع الخارجون خراسان تخريبا وقتلا ونهبا، ثم تجاوزوها إلى الري وهمذان، والجبل وما فيه من البلاد إلى حد العراق ... أما أذربيجان فقد قتل أكثر أهلها لم ينج إلا الشريد النادر .. ثم قصدوا القفجان «القفقاس» فقتلوا كل من وقف لهم وهرب الباقون لإلى الفياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم واستولى عليها هؤلاء التتر ... ومضت طائفة أخرى منهم إلى غزنة وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ففعلوا فيها ما فعلوا في غيرها، وانطلقوا في كل صوب لا يمنعهم مانع .. والتقى على هذا الوطن الكبير خطر هؤلاء التتار من نحو، وخطر الصليبيين الذين قصدوا دمياط من نحو آخر، وأشرقت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم كما يقول ابن الأثير. أما الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على ساق ..

تلك كانت الصورة الكالحة لوطننا الكبير في هذه الفترة: خطر خارجي محدق، وأطراف مهددة، وفتن داخلية مضطربة .. لقد تقدم التتر واستقام لهم هذا الأمر لعدم وجود المانع على حد تعبير ابن الأثير .. أجل أيها السادة لم يعد هناك هذا المانع الذي يقف لهذه القوى الخبيثة، الهاجمة، المفاجئة .. لم يعد هنالك مانع مادي فقد تبددت القوى وتكسرت الوحدة وأخذت تتآكل أطراف هذه الدولة الكبرى مع الأحداث حتى لتوشك هذه الأحداث أن تنال القلب .. بل إنها نالت فعلا بغداد مع التتر، وأطراف الشام وسواحله مع الصليبين، .. وضاقت على هذا القارب العربي الذي كانت الآفاق البعيدة أدنى حدوده، أرضه من حوله، واختلف فيه الملاحون وعزفت الأمواج على المجاديف نشيد الموت .. لولا أن الشعلة التي انطلقت من الجزيرة كانت لا تزال تتألق كالشموع في بعض النفوس الصافية، تغالب ظلمة الليل وتنهض وحدها لجيوشه السود تكشفها وتفضحها، وتحمل خفقاتها معنى القلب الذي لا يزال ينبض بالحياة .. ولولا أن القارب لم يعدم بعض ملاحيه كنور الدين وصلاح الدين والظاهر كانوا ينذرون أرواحهم لحمايته،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٢١