كان أبدا يسعى أن يحافظ على تراثه الروحي والقومي.
وكان أبدا يريد أن يكون حرا، قويا، سيدا
وما كفاحه في السنين الأخيرة، لإخراج المحتلين، إلا بقية من روح نضاله في الماضي ومن وحي تاريخه المجيد.
عواصم أربع!
وعاصمة المغرب الرباط. وكان العرب يسمونها رباط الفتح.
ولكن ليس المغرب عاصمة واحدة.
الجميع يقولون أن لها ثلاث عواصم أخرى!
إن هناك «فاس»، ذات الدروب الضيقة المتعرجة، المنحدرة تارة والصاعدة تارة. التي أسسها إدريس الثاني، ودعا الله أن يجعلها مثابة للعلم والعلماء، فقام فيها مسجد القرويين، ومكتبة القرويين، وسكنها مئات من الأسر الأندلسية التي نزحت من اسبانية ..
إنها عاصمة العلم.
وهناك مدينة كمراكش الضاحكة، ذات الجو الصافي، التي أسسها «يوسف بن تاشفين»، وجعلها عاصمة المغرب العربي كله، من ليبيا إلى الأندلس- والتي تزهو بمئذنة مسجدها الكبير المسماة بـ «الكتبية» -وهي أخت مئذنة «الخيرالدا» في اشبيلية- هذه المئذنة التي تقف على علو سبعين مترا، فتستقبل القادمين إلى مراكش من أين جاءوا.
فهذه عاصمة السياسة.
وهناك الدار البيضاء، واسمها الإسباني «كازا بلانكا» الملأ بألوان من الأوروبيين والسوريين، واللبنانيين، وبالآلاف من اليهود ..
إنها عاصمة التجارة.
أما الرباط فلم تكن لتضارع فاس ولا مكناس ولا مراكش. بل اتخذها الفرنسيون عاصمة منذ عام 1912 عندما بسطوا حمايتهم على المغرب. مبتعدين عن مراكز المجد والسياسة والثقافة والحضارة في البلاد.
القديم لنا .. والجديد لهم
والذي يدهشك في مدن المغرب وقراه الكبرى وجود مدينة قديمة مغربية، وغلى جانبها مدينة حديثة أوربية، بناها الفرنسيون لسكناهم!
وحدثني الكثيرون أن هذه المدينة الحديثة كانت محرمة على بناء البلاد، على المغاربة. فلا يستطيع أحد أن يسير في شوارعها بله أن يدخل دورها!!
وهذا القديم المعرق في القدم: الشوارع الضيقة، والدور المتراصة، والمآذن الأندلسية المربعة، والروح المغربية الظاهرة في الملابس والأزياء، والمتاجر والأسواق. وهذا الحديث الصارخ بالحداثة: الشوارع العريضة، التي اصطفت على جانبيها النخلات أو الأشجار، والبنايات الضخمة التي تداعبها الشمس ويدغدغها الهواء، والروح الأوربية الظاهرة في كل شيء. هذا القديم والحديث معا يقدمان تضادا جميلا قد تراه في مكان.
لقد كان الفرنسيون يبنون هذه المدن، ويشفقون الطرق الواسعة العريضة بينها، الطرق التي لا تجد مثلها في فرنسة، ويقيمون السدود، ويمدون الاقنية، ويستثمرون الأرض. يحسبون أن البلاد بلادهم وأنهم مخلدون فيها فإذا بهم يخرجون منها مدحورين مقهورين، وإذا بالشعب المغربي يرث ما بنوه وما صنعوه بل تعود إليه أرضه ومدنه وبلاده.
ولقد سمعت فرنسيا يقولك لو كنا نعلم أننا سنخرج من المغرب صنعنا فيه شيئا!
ولعمري اصنعوا ما صنعوا من مال باريس؟! أن أنهم صنعوا ما صنعوا بالجزء الضئيل من ثروة البلاد التي كانت تسرق وتهرب على باريس؟!
الذوق الفني .. في كل شيء
وأدهشني الدور المغربي التي دخلت إليها. أن العين تسرح وتمرح، وأنها لتنعم برؤية ألوان من الجمال والفن.
دخلت دور العمال والباشاوات-أي حكام المقاطعات ومحافظي المدن-ودخلت دور الفقهاء- أي العلماء، ودور الموظفين، ودور أبناء الشعب فرأيت فيها جميعا أثرا من الذوق والفن.