تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم تطن اللغة العربية هي لغة البيروني وابن الهيثم والبتاني والخوارزمي وعمر الخيام والخازني أعظم علماء الإسلام وأساتذة أوربا في الطبيعيات والرياضيات والبصريات والفلك؟، ولغة ابن البيطار والدميري في علوم النباتات والصيدلة والحيوان؟، ولغة ابن سينا والرازي وجابر بن حيان والزهراوي أساتذة الطب والجراحة والكيمياء العالميين؟، ولغة الشريف الإدريسي والمقدسي وابن حوقل والمسعودي واضعي علوم الجغرافية ورسم الخرائط، ولغة ابن خلدون واضع فلسفة التاريخ والاجتماع؟ ولغة ابن رشد وابن طفيل والغزالي والفارابي أعظم الفلاسفة والمفكرين العالميين؟ ولغة إسحاق الموصلي وزرياب والكندي وابن فرناس واضعي أصول الموسيقى الكلاسيكية؟، ولغة الآلاف من الأدباء والشعراء وعلماء المنطق والبلاغة والتصوف والقانون؟. إن هذه اللغة المظلومة تتهم اليوم بأنها عاجزة عن أداء اصطلاحات الألفباء وأبجدية العلوم في المدرسة الابتدائية، وأنها لا تملأ الفراغ الفكري للشباب المغربي لتبرير سيطرة اللغة الفرنسية، واستمرار احتلالها الفكري للمغرب، رغم استقلاله السياسي.

إن السيطرة الفكرية على شعب ما عن طريق اللغة هي إحدى الوسائل التي تنبه لها الاستعمار منذ فجر حياته، وقرر أهميتها لأغراض السيطرة السياسية والاقتصادية ولذلك رأينا الدول الاستعماري تخصص في ميزانياتها مبالغ طائلة لنشر لغتها، خصوصا في الأقطار التي تدور في فلكها، أو تقع في مناطق نفوذها.

وإذا كان المغرب قد استطاع الخروج من فلك الاستعمار الفرنسي، فيجب الاعتراف بأنه لم يتخلص بعد من سرطان نفوذه، ونحن نتحدث عن نفوذه الاقتصادي والعسكري، ونكافح لتخلص منهما، ولكننا لا نشير أبدا إلى نفوذه اللغوي، ولا نحاول التخلص منهن بل على العكس، نقويه ونمد في عمره، ونعتبره أحيانا في طليعة أعمالنا الوطنية!.

إن التفكك الخطير الذي يجتازه التفكير الوطني في بدلانا اليوم، هو بداية ثمار التعليم الفرنسي اللاديني المطعم بالسموم المدسوسة، الذي حضر بعناية، للقضاء على طاقتنا الروحية والخلقية والفكرية، التي هي عناصر استقلالنا وقوتنا ووحدتنا، ونحن ما لم نقوم هذا التعليم ونعرفه نوحدهن فإنما نمد في عمر الأجيال المغربية التي سوف تتصارع فوق تراب وطنها لتمثل عليه ما أراده الاستعمار لها.

وليت شعري كيف يمكن لأية حكومة وطنية تريد أن تبعث شعبها بعثا جديدا، وتستفز ما فيه من كوامن الغيرة والاعتزاز والثقة بالنفس، وتنفخ فيه روح الصورة لينطق في طريق التحرر الكامل، ثم لا تضع لنفسها سياسة قومية محددة، تستمد قوتها من لغتها الوطنية، وعقيدتها الدينية، وحضارتها القومية، لتصل حاضرها بماضيها، ومستقبلها بحاضرها؟!.

وإذا كان الاستعمار هو المسؤول عن جهل جيلنا الحاضر بلغته، فإننا سنكون مسؤولين عن استمرار هذه المأساة بالنسبة لأجيالنا المقبلة. لقد مرت ثلاثة أعوام على استقلالنا لم يتغير فيها وضع اللغة العربية الذليل إلا قليلا، بينما تحصنت اللغة الفرنسية في مراكزها، اشد من تحصن الجيوش الفرنسية في ثكناتها! فلم تتخل عن شبر واحد من امتيازاتها ونفوذها، لا في المدارس الابتدائية والثانوية الإسلامية ولا في المدارس الإسرائيلية والمسيحية، ولا في إدارات الدولة ومصالحها، ولا في الشركات والمؤسسات العمومية ولا في أسماء الشوارع والأحياء المغربية.

أليس من واجبات الحكومة الوطنية اليوم أن تضع قضية «التعريب» في طليعة مهماتها الأساسية، وان تعتبر كل وزير مسؤولا عن تحقيق تقدم مستمر في تعريب المصالح والمكاتب التابعة لوزارته؟ نعم يقع على وزارة التهذيب الوطني اكبر العبء في تعريب التعليم، وخاصة في المرحلة الابتدائية التي يجب أن تكون عربية خاصة، يصعد التعريب معها قدما للتعليم الثانوي والعالي ولعل من أهم واجبات هذه الوزارة، أن تبذل مجهودا اكبر لنشر الثقافة العربية والتعليم الإسلامي في النواحي البربرية، على طول جبال الأطلس وفي جبال الريف، ولا شك أن هذا المجهود الضخم- الذي كان يجيب القيام بت منذ قرون عديدة- سيساعد على تكوين جيل مغربي أكثر انسجاما وتعاونا، واشد حرصا وغيرة على خدمة المثل الوطنية العليان والنهوض برسالة العروبة والإسلام في هذه البلاد. إن كل مدرسة عربية نبينها اليوم في جبال الريف وجبال الأطلس، ستغنينا غدا عن إقامة ثكنات عسكرية مقامها، وهذه الحقيقة يجب أن تعطيها الحكومة اعتبارها السياسي البعيد النظر ولعل الحوادث الأخيرة، وما رافقها من دعوة إلى التفرقة العنصرية والإقليمية، جديرة بأن تدفع الحكومة للتفكير جديا في مستقبل الوحدة المغربية، وليس هناك من سبيل لتدعيم هذه الوحدة إلا بنشر اللغة العربية والتعاليم الإسلامية، فقد كانا عنصري هذه الوحدة التي استقرت مدى ثلاثة عشر قرنا، وكل تفريط من جانب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١١٣