تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«رجعية وجامدة» لأنها تفتخر بآبائها وأجدادها، لكن عندما تتحرك غيرتك أنت ابن المغرب العربي، لتشعر بعض المواطنين بان لهم ماضيا غير ماضي الاستعمار، وأجدادا غير أجداد الاستعماريين، ووجودا مستقلا أولئك الذين أقنعتهم تربية الاستعمار بأنهم لا ماضي لهمن ولا أجداد لهم، ليعيشوا على ماضيه هون ويفتخروا بذكر أجداده هو! (1).

إن احتلال ألف وثلاثمائة من الآلام الفرنسية لشوارع مدينة مغربية يقضي بالموت على ألف وثلاثمائة من أعلام المغرب العربي، ويرغم 700.000 من السكان المغاربة على الخضوع للاحتلال اللغوي للمدينة بجانب الاحتلال العسكري والاقتصادي! وقد لا يكون في ذلك أدنى غرابة إذا علمنا أن المرشال ليوطي لا يزال قائما على فرسه وسط هذه المدينة يحرس مخلفات احتلاله هذه بعين ساهرة. بل لا يزال تمثال «الهزيمة المغربية» منتصبا أمام تمثال ليوطي يصفع كرامة كل مغربي يمر بجانبه، وينال من شرف «الجندي المغربي» تحت سمع الجيش المغربي وبصره!

وليس هذا الاحتلال اللغوي للمدن والأحياء المغربية إلا جانب من الحملة التي نظمها الاستعمار لفرنسة المغرب ظاهرا وباطنا، وطمس معالم اللغة العربية، وخنق أنفاسها في وطنها، فقد عانت هذه اللغة خلال الأربعين عاما من عهد الحماية، ألوانا من الذل والهوان والضيق، فطردت من المدارس والمحاكم والإدارات شر طرد، وتنكرت لها الدولة المحتلة في كل مكان تريد القضاء عليها، بل لم تترك لها وللدين الإسلامي في برامج المدارس الرسمية إلا حصة لا تتجاوز عشرين دقيقة في اليوم! بينما أصبحت جميع العلوم تلقى باللغة الفرنسية.

وكما حارب الاستعمار العربية، حارب أساتذتها وعلماءها وكتابها وصحفها أدبيا وماديا، في الوقت الذي كان فيه حامل الشهادة الابتدائية الفرنسية يجد جميع التسهيلات ليدخل في خدمة سادة اللغة الرسمية الجديدة.

والقضاء على اللغة العربية لم يكن إلا وسيلة للقضاء على جميع ما حملته هذه اللغة معها إلى المغرب، من حضارة وثقافة وعقيدة ودين، حتى إذا جف هذا النبع الفياض، وتوقف عن أفراد الشعب المغربي بحاجاته الفكرية والروحية، قامت الفرنسية باحتلال مكانه لتعمل على فرنسة هذا الشعب، فرنسة تفكيره ومنطقه وعواطفه، ثم جنسيته، وإدماجه في الجامعة الفرنسية «تابع متأخر» عليه نفس الواجبات، وليس له نفس الحقوق!!.

ولم يكن للاستعمار ما أراد، فقد هب الشعب المغربي لطردهن ومقاومة جميع مخلفاته ورواسبهن ورفض أن يكون «تابعا» له رفضا قاطعا، سواء كانت هذه «التبعية اللغوية» ليست اقل خطرا من التبعيات الأخرى، فهي تستلزم تلقائيا «التبعية الفكرية» طالما أن الإنسان يفكر بواسطة اللغة، ولم تكن بحاجة لهذه التبعية لأن لغتنا العربية في طليعة اللغات العالمية، يتكلمها ثمانون مليونا من سكان القارتين الأسيوية والإفريقية، ويضطر لدراستها ثلاثمائة مليون من المسلمين غير العرب في جميع أنحاء العالم وقد اختارها الله لتكون لغة القرآن الكريم، فعبرت عن عبقريتها وسموها ودقة معانيها، ثم كانت لغة الأولى في العالم التي وسعت حكمة الفرس، وفلسفة اليونان، وحضارة العرب، ولم تلبث أن أصبحت لغة حضارة إنساني عالميةـ تحمل دعوة الحق إلى البشرية كلها.

(1) عندما علم أحد هؤلاء أنني سميت ولدي الثاني باسم «علي» كتب لصديق لنا يقول: «إنني أعجب لاختياره لهذا الاسم الذي يدل على مسمى .. أنا أعرف تاريخ محمد علي وما قام بت من ثورة وأعمال في مصر .. وإذا كان علي من الرجال العظماء بطلا وعالما وأديبا وشاعرا فإنه كان شيعيا وقد هزم، والحق للغالب!، وقد كان من الأحسن أن يختار الأخ إدريس اسما سهلا مطابقا لروح العصر، ويترك عنه «بقايا التاريخ» ويرى إلى الإمام لا إلى الوراء، والتقدميون - كما يزعمون! - يجب عليهم أن يعيشوا حياة تقدمية في كل مظاهر حياتهم. إن محام قديم، ووزير سابق!!!

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١١٢