تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المغرب في وثبته الحاضرة، ويتناولون بالدرس والتحليل على صفات هذه المجلة ـ التي تكاد تكون مجلة الثقافة والفكر الوحيد في المغرب ـ اللغة العربية في عهد الفتح الإسلامي، والدونمة، والأسماء، وغير ذلك من الموضوعات التي تصح أن تكون فصولا من كتاب لا مقالات تنشر في مجلة شهرية يلزم أن تكون على اتصال وثيق بقرائها وبمشاكلهم وقضاياهم الفكرية والعاطفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

والشعراء؟ أما كان أجدر بهم أن يتغلغلوا في صميم حياة بلادهم يتغنون بآمالها ورغائبها، ويصورون كدح أبنائها ونضالهم في سبيل مستقبل مشرق راق سعيد، عوضا من أن يستسلموا لترانيم عاطفية قد تريح النفس، ولكنها لا تبعث على الانطلاق؟

لست أدعو بهذا إلى مدرسة أدبية أو فكرية معينة، وإنما قصدي أن تكون الثقافة والفكر من عوامل الحياة والتحرر.

وعندي ملاحظات أخرى على العدد الماضي في جملته أحب أن أبديها قبل الشروع في نقد المواد التي احتوى عليها هذا العدد، تفصيلا.

الملاحظة الأولى تتعلق بالشكل. فترتبت المواد لا يتبع نظاما معينا، فالكلمة المنقولة عن كتاب لتوفيق الحكيم بعنوان «الدين والفن» تسبق في الترتيب المقالات الرئيسية التي حررها الكتاب خصيصا للمجلة، وكذلك القول في محاضرات الأستاذ محمد الفاسي، والمقال المترجم عن طه حسين. وقد يكون من الأنسب أن تخصص المجلة بابا لمثل هذه المسائل أي لما تختاره المجلة لقرائها من الكتب، أو ما تنقله عن الصحف الأخرى لقيمته الفنية والأدبية أو لأهميته العلمية، كما يستحسن أن تترك المجلة بابا خاصا لنشر ما يستحق النشر من الحاضرات والخطب والأحاديث الإذاعة. ويستحسن أيضا أن تتبع المجلة نظاما ثابتا في ترتيب المواد، وهذه مسألة ذوق فقط، وليست قاعدة ثابتة، فتعطي الأسبقية مثلا ـ للدراسات الإسلامية، تليها في الترتيب البحوث العلمية والثقافية ثم المقالات الأدبية والقصص والروايات ثم الشعر.

ومما يسترعي الانتباه كثيرة الأخطاء المطبعية والتصحيف مما يلزم مضاعفة العناية بالتصحيح.

ولما كانت المجلة تعنى زيادة على الدراسات الإسلامية بشؤون الثقافة والفكر، فأنني ألاحظ نقصا بينا في العناية بشتى ألوان الثقافة، فهي تخلو من كل دراسة أو تعليق أو شيء مترجم عن المسرح والموسيقى والتصوير والنحث، وعن مختلف الاتجاهات الفنية والفكرية التي يزخر بها عالمنا الحديث.

وقد لاحظت من خلال «دعوة الحق» ضعف الإنتاج القصصي والروائي عندنا، ولا يد للمجلة ـ بطبيعة الحال ـ في هذا النقص، وربما كان في الامكان تعويضه بنقل بعض روائع الإنتاج الأجنبي في هذا الباب.

انتقل الآن إلى نقد المواد التي احتوى عليها العدد الماضي عن هذه المجلة، مراعيا الاختصار ما أمكنني.

من الدراسات الإسلامية التي اشتمل عليها العدد الماضي مقال للأستاذ أبي الأعلى المودودي، شيخ الجماعة الإسلامية بباكستان، تحت عنوان «المصدر الحقيقي لقوة المسلم» وقد عودنا هذا الأستاذ الكبير بما كنا نقراه له في مجلة «المسلمون» وفي أعداد ماضية من «دعوة الحق»، أن نرى في كل ما يكتبه من دراسات عمقا في التحليل وإشراقا في العرض، وإيمانا بقوة الإسلام وصلاحية دعوته ومقاصده لكل زمان ومكان.

وقد جعل الأستاذ المودودي في بحثه المذكور، الإيمان والنية والأخلاق وطاعة الله ورسوله مصدرا لقوة المسلمين الحقيقية. ولاشك أن الأستاذ الفاضل مصيب فيما يراه من أن ذلك الإشعاع الروحي الكبير الذي كان يغمر قلوب المسلمين في الصدر الأول للإسلام مصدر قوتهم وتفوقهم على كثير من أقطار الأرض. وأنا متفق مع الأستاذ المودودي فيما ذهب إليه من أن الذي يجعل «أمة غالبة بين الأمم هو البادئ التي تقوم عليها حضارتها، ثم هو رسوخ تلك المبادئ في القلوب، وهيمنتها على الأعمال ... »، ولكني لا أتفق مع العالم الفاضل فيما قاله من أن الأمة «التي توفرت فيها هذه الأمور الثلاثة فلا جرم أن تكون غالبة بين الأمم ... إن كانت الأكواخ وتلبس الأسمال، وكان أفرادها ضامري البطون في الحاح الفاقة.

لست أتفق مع الأستاذ المودودي لأن الفقر عدو الأخلاق، فلا بد إذن أن تقوم بجانب المبادئ القويمة حضارة صالحة ونظام اقتصادي واجتماعي سليم يكفل للناس جميعا العيش الكريم، ويضمن لهم المساواة والعدل وتكافؤ الفرص.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٩٣