دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 79
العدد الماضي في الميزان
للأستاذ: محمد العربي الخطابي
لا أحب أن يفتوني، وأنا أضع العدد الماضي من «دعوة الحق» في الميزان، أن أبدى ملاحظة أراها من الأهمية بمكان عن هذا العدد، وربما تكون هذه الملاحظة صالحة حتى بالنسبة للأعداد السابقة من المجلة.
فالشيء الذي لفت نظري وأنا أتصفح العدد الماضي من مجلة «دعوة الحق» واقرأ ما به دراسات ومقالات وشعر، وهو الأعراض التام عن حياتنا ومشاكلنا الحاضرة، فليس في المجلة دراسة أو مقال أو شعر يعني بالمجتمع المغربي الحديث، وما يسوده من قلق مبعثه التطلع إلى مستقبل أفضل، وحياة أكرم وأرقى، وما يعانيه هذا المجتمع من ضروب الكفاح في سبيل تأكيد ذاته والقضاء على سائر ما يعرقه عن التقدم والسير نحو تحقيق أمانيه الإنسانية الكبرى. وذلك إذا استثنينا مقال الأستاذ المصمودي عن شعرنا المعاصر.
لقد تناول الكتاب الدين شاركوا في هذا العدد موضوعات مختلفة لا يمت أحدها بصلة إلى المغرب الجديد، ومجتمعه المعاصر، وما يواجهه من مشاكل فكرية وإنسانية ومادية كبرى تتطلب الدرس والعناية والحلول الصائبة. والتوجيه الهادفة. كأنه ليس من شأن الباحثين والأدباء والمفكرين أن يعنوا بواقع بلادهم، ويعالجوا بأقلامهم قضايا المجتمع القائمة، ومشاكل المواطنين التي يصبحون عليها ويمسون.
فعوضا من أن يعالج الأستاذ الجراري ـ مثلا ـ قضية اللغة العربية بالنسبة لواقعنا الحاضر ـ وهي مشكلة الساعة في ميدان الكفاح من أجل تعريب التعليم والإدارة في المغرب ـ يحدثنا الأستاذ الجراري عن اللغة العربية وانتشارها في عهد الفتح الإسلامي الأول، وعصر الادارسة ...
ويحدثنا الأستاذ محمد كاظم سباق عن الأسماء وأهميتها منذ العهد الذي اقتضت فيه إرادة الله أن يجعل آدم خليفة في الأرض، وعن خطورة هذه الأسماء الأمراض والآفات التي تفت في جسم الأمة وأسماء الأدوية ووسائل العلاج.
ويطيب للأستاذ القادري أن يحدث قراء المجلة عن الدونمة ـ اليهود الذين تحولوا عن اليهودية واعتنقوا الإسلام في تركيا مبيتة ضد المسلمين، وكان الأجدر به أن يتناول بالدرس ـ بالمغرب في مرحلته الانقلابية الكبرى ـ مشكلة من المشاكل الحيوية التي نواجهها ... وقل مثل ذلك في بقية المقالات والقصائد والأبحاث، لا نستثني منها إلا مقال الأستاذ المصمودي الذي سبق ذكره.
إنني أعتقد أن العناية «بشؤون الفكر والثقافة» التي هي من أهداف المجلة، كما يحدد ذلك المحرر في كلمة العدد، معناها العناية بالثقافة الحية النابضة، المبدع الوثاب، الثقافة التي من شأنها أن ترسم الطريق واضحا أمام الجيل الحاضر من هذه الأمة، وتنير له طريق المستقبل ليرتاده في عزم وثقة، والفكر الوضاء الموجه الذي يدعو إلى الحياة والنضال والتطور.
فإذا كان لابد لمجلة (دعوة الحق) أن تخصص قسطا من صفحاتها للدراسات والبحوث الإسلامية، باعتبار ذلك شطرا من منهاجها وخطتها، فإن من حق القراء على المجلة أن يكون الشطر الثاني من خطتها الذي هو «العناية بشؤون الثقافة والفكر» ـ متجها إلى الواقع الحاضر للأمة المغربية، يعالج مشاكلها ويدرس القضايا التي تهم حاضرها ومستقبلها.
كيف يهمل الكتاب والباحثون والمفكرون مشاكل التعليم والثقافة والاجتماع والاقتصاد التي تثقل كاهل