تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن كيف نبني الحضارة؟

إن الجواب يقتضينا النظر في التاريخ الإنساني الطويل، ومن دراستنا لمختلف الحضارات والبواعث التي أدت إلى ظهورها، تستطيع أن نصل إلى أسس الحضارة وشروط النهضة، ولكن قبل أن نجادل معرفة هذا الباعث الحضاري يجب أن نعرف ما هي الحضارة.

يعرف بعضهم الحضارة بأنها نظام اجتماعي، يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، كما يعرفها الآخرون بأنها: فكرة عن الإنسان والكون والحياة، وأما فهي التعبير المادي عن تلك الفكرة!!

إما الأستاذ مالك فيعرف الحضارة تعريفا كيماويا أو رياضيا فيقول:

أن الحضارة = إنسان + تراب + وقت.

وقد توصل لهذا التعريف بعد دراسة استقرائية تحليلية لمنتوجات الحضارة كالنظارة والساعة والسيارة والصحن والكرسي والمصباح الكهربائي، إذ وجد أن كل منتوج حضاري هو نتيجة اشتراك ثلاثة عوامل لا غير: التراب (1) (أي المادة المكونة له) والإنسان الذي صنعه، والوقت الذي صنع فيه. وليس هناك عنصر آخر يستطيع أن يدخل في تكوين وصنع هذا النتاج الحضاري.

وقد (2) يقال: أننا إذن على هذا نعتبر متحضرين إذ يوجد لدينا: الإنسان والتواب والوقت. ويجيب الأستاذ أن مجرد وجود هذه العناصر ليس كاف لإيجاد حضارة، وإلا لكان مجرد أكسجين وأدروجين بنسبة معينة كاف لتكوين الماء، مع أنه لأبد من مركب لهذين العنصرين كالشرارة الكهربائية. وكذلك الحضارة فإنها تحتاج لمركب، يركب ما بين عناصرها، وهذا المركب أو هذه الشرارة يجب إلا نختلقها اختلافا بل إننا لا نستطيع إيجادها وإنما يبحث عنها في التاريخ، فهو الوحيد يسعفنا بالخبر عن الشرارة المكونة للحضارات والتي استطاعت أن توجد العلاقة بين العناصر الثلاثة، وعن تلك العلاقة بين العناصر الثلاثة، وعن تلك العلاقة انبثقت المدنية.

ويرى الأستاذ مالك أن الشرارة هي: الدين «فالحضارة لا تنبعث، كما هو ملاحظ، إلا بالعقيدة الدينية، وينبغي أن نبحث في كل حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها ... فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون شرعة ومنهاجا، أو هي على الأقل تقوم أسسها في توجيه الناس نحو المعبود غيبي (3).

ويرى أن للحضارة مدارا تسير فيه، وهذا المدار يتكون من ثلاث مراحل: مرحلة الروح، وذلك عندما تكون الحضارة تسير فيه، وهذا المدار يتكون من ثلاث مراحل: مرحلة الروح، وذلك عندما تكون الحضارة أقصى توسعها، وفي نهاية هذه المرحلة تبدأ الحضارة في الانحدار، ويأتي دور الغزيرة التي تعود بالإنسان إلى مستوى الحياة البدائية، فالحضارة الإسلامية مرت بهذه المراحل، ابتدأت المرحلة الأولى من قوله تعالى «أقرأ» إلى حرب صفين، ومن هناك دخلت في مرحلة العقل إلى زمن ابن خلدون، وهنا استسلم العالم الإسلامي لقيادة الغزيرة التي تزال لها القيادة إلى اليوم!!

ويحدثنا عن الثقافة ـ التي هي التعبير عن الحضارة ـ فيعرفها بأنها: مجموعة من الصفات الخليعة والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه (4).

والثقافة على هذا ما هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، والثقافة على ضوء هذا التعريف تشتمل في معناها العام على إطار حياة واحدة تجمع بين راعي الغنم والعالم. وبعبارة: فالثقافة وسط أو إطار يطبع جميع أفراده بطابع مشترك لأنهم يتغذون بغذاء واحد ومعين.

وتتحلل الثقافة إلى عناصر أربعة:

1 ـ الأخلاق: التي تخلق الصلات الاجتماعية بين الأفراد.

2 ـ ذوق الجمال: لتكوين الذوق العام.

3 ـ المنطق العلمي: لتحديد النشاط العام.

(1) في هامش 48 علل تعبيره بالتراب وتجنيه «المادة»

(2) هذا سؤال كنت أوردته عليه وأجاب عنه في الكتاب ص 48.

(3) سألناه عن الشيوعية فقال: «أزمة» حضارة، وإن كانت لا تخلو من عاملها الروحي والسيكولوجي ـ 4) ص 79 ـ 84.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٩٠