تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في احدى «شقيق» القاهرة، وهو يكاد ييأس من إصلاح العالم الإسلامي، غير أن اتصاله بشباب العالم الإسلامي المتعصبين «للفكرة» وجذوة ايمانه الخالدة بهذا الدين، اهبا من جديد عزيمته الجبارة، ونشاطه الذي لا يعرف الركود، وابتدأ صفحة جديد في حياته النضالية، فقد وجد الوسط الذي يقدر «الفكرة» ويحملها وينشرها وله الآن «مدرسة إسلامية فكرية مكونة من طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون في مدارس مصر وجامعاتها ..

... وقد عين أخيرا مستشارا في المؤتمر الإسلامي بالقاهرة، وأصبح الأستاذ الرائد الفكري المنتظر بوجه العبقرية الإسلامية والبطولة العربية نحو خلق مجتمع متحضر!!.

ولمالك كتب متكاملة، مرتبط بعضها ببعض ارتباطا يكاد يكون عضويا، وقد ألفها بالفرنسية، وترجمت كلها إلى العربية بالقاهرة. وبضع كتبه تحت عنوان عام: مشكلات الحضارة. وهذه الكتب هي: الظاهرة القرآنية، مستقبل الإسلام، شروط النهضة، الإفريقية الأسيوية. وللأستاذ كتب قيمة ستنشر في الوقت المناسب.

وقد درس في الكتاب الأول مشكلة الإعجاز، فاستطاع أن يثبت سمو القرآن من طاقة البشر، وأنه من عند الله، كما هزم فيه المذهب المادي وأثبت وجود الله بطريقة علمية بحثة، وانتهى إلى أن الظاهرة النبوية ظاهرة طبيعية كظاهرة الشمس والقمر.

وفي الكتاب الثاني «مستقبل الإسلام» دراسة لمختلف الاتجاهات الإصلاحية في العالم الإسلامي ونقدها وتبيان الأخطاء التي عرقلت جهودها، وفي هذا الكتاب تحديد علمي للداء الحقيقي الذي نتخبط فيه.

أما «شروط النهضة» فهو تتمة لهذا الكتاب، إذ هو تحديد للدواء.

تدور فلسفة مالك في هذا الكتاب حول مشكلة الحضارة، فيرى أن العالم الإسلامي ليس مريضا بالتفرقة والجهل والاستعمار، إلى آخر ما هنالك من الظواهر الخطيرة .. وإنما هذه الأعراض «مرض» فقط، أما المرض الحقيقي فيجب أن يلتمس وراء هذه الأعراض الخداعة، التي شغلت العالم الإسلامي وأتعبته وضللته عن معرفة حقيقة الداء، ومن ثم جهل حقيقة الدواء .. والمرض يكمن في «النفس» في الذات الإسلامية، ويطلق عليه الأستاذ: «القابلية للاستعمار (1)» وهذه القابلية هي الجاذبية التي تجذب نحوها الاستعمار، كالأوساخ بالنسبة للذباب.

فللقضاء على الاستعمار يجب أولا القضاء على سببه الجوهري الذي يمكن في النفوس ـ أي «القابلية للاستعمار». وفلسفة مالك هذه مستمدة من قوله تعالى: إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. ومن قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. « .. هذه الملاحظة الاجتماعية تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار والتي تكمن له في أرضها (2).

فالإصلاح يجب أن يستهدف النفس قبل كل شيء «ألم يكن موطن المعجزة هو ما دل عليه القرآن، أي النفس ذاتها (2).

أن أولئك الذين جهلوا هذه حقيقة أو تعاوموا عنها واستعاضوا عنها بالخطب والشعر، واندفعوا يحاولون «تقديم» العالم الإسلامي بتقليد أوروبا تقليد الأعمى، ظانين أن لبس البدلة الأوروبية البرنيطة وركوب السيارات وشراء الثلاجات والراديوا وبناء الفيلات، ووضع سلات المهملات في الشوارع ـ كاف لأن «يحضر» الأمة ويضفي عليها حلة التقدم .. فيبدو هذا التصنيع منهم مضحكا كما يدعو للألم الشديد، لأنه يضيع على الأمة الفرصة للتفكير في أمراضها ومشاكلها حتى تهتدي إلى الحل، ويتيح «للمرض» أن يتعقد وينمو وينفجر انحطاطا شاملا!!

وهذه المظاهر الحضارية الجوفاء يطلق عليها الأستاذ مالك «الحضارة الشيئية» ويسمى العمل لإقامة هذه الحضارة «بالتكديس». والحضارة ليست تكديسا ولكنها بناء، ودورنا في الحضارة الغربية لا يتعدى دور «االزبائن» الذين يسعد على حسابهم الغرب.

وهذه الحضارة الشيئية لا تخلص شعبا ما من مشاكله المتعددة، لأنها لا تبتر مرضه الأساسي الذي لا يبتر إلا ببناء حضارة!

(1) للإحاطة بهذه لابد من دراسة كتابي الأستاذ: مستقبل الإسلام وفكرة الإفريقية الأسيوية

(2) شروط النهضة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٨٩