حيث ستشارك المؤلف - دون شك- إعجابه بالشاعر اللبناني الكبير، لاسيما حين تقرأ للأستاذ المؤلف قوله: (ص270).
«والشعور الوطني عند صاحبنا القروي لا يتركز مطلقا في تلك البقعة الضيقة من بلاد العرب التي هي لبنان، ثم يفيض بعد ذلك في إحساسه على البلاد العربية كما هو الحال عند غيره من شعراء الوطنية عند العرب، وإنما هو على العكس يتركز في الوطنية العربية العامة التي تنتظم بلاد العرب جمعاء، ثم يفيض من خلجاته وذكريات أيامه السعيدة على بلده لبنان، كما رأينا فيما اقتبساه من كلماته السابقة، ويحلو لنا أن نؤكده بعباراته الآتية:
«أمتي أنا مكثرا، ووطني أنا مكبرا، إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة فكأنما أكلوا جارحة من جوارحي، وإذا هدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نغبة من دمي، وكأن كل بلد قوي من بلادي ساعدي مفتولا، وكل شعب خامل فيها زندي مشلولا، بل ما أعد ذاتي إلا خلية في جسد أمتي، أنا واحد من سبعين مليونا من العرب، كل واحد منهم أنا، فينبغي أن أحبهم سبعين مليون ضعف حبي لنفسي، من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة، ومن خانهم فكأنما ... »
تكلم هي الفكرة العربية كما يجب أن تكون .. حقيقة ملموسة في كل قلب، وفي كل قول، وفي كل روح، هكذا يجب أن تكون، أولا تكون.
*
أول ما يجب أن يسجل للأستاذ المؤلف من فضل دعوته إلى دراسة القرآن الكريم والحديث الشريف، وما يلحق بهما من كتب الفقه والكلام والتصوف والتاريخ والرحلات دراسة موضوعية، لا تقتصر على الشكل دون المضمون أو العرض دون الجوهر، وذلكم في الخطاب الذي كان ألقاه الأستاذ المؤلف بمؤتمر أدباء العرب بالقاهرة في دسمبر 1957 بعنوان «النقد والقومية العربية» (ص 148 من الكتاب).
فما أن حال الحول حتى كان موضوع البحث في الدورة الحالية «الرابعة» للمؤتمر هو «البطولة في الأدب العربي»، وكان موضوع «البطولة كما يصورها القرآن الكريم، وتصورها كتب الأدب والرحلات» من أهم التفريعات التي شملها هذا الموضوع .. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ: (ص 156)
«وكما كان تقسيمنا للأدب بحسب الأقاليم والعصور جناية على وحدته، كذلك كان اعتبارنا للأدب صناعة لفظية وزخرفة كلامية جناية على رسالته. فأعظم النصوص الأدبية في اللغة العربية، وهو القرآن، لا يعد في مادة الأدب عند كثيرين .. والطريقة التي ندرس بها هذا النص تبين الآثار التي تركها في الأدب من حيث التعبير والأسلوب معا، وأما دراسته هو دراسة موضوعية على الأقل كما ندرس ديوان الحماسة أو رسائل البديع مثلا، فهذا ما لا يهتم به أحد، وإلا فأين هو هذا الكتاب في أدب العرب الذي يعرض ولو سورة واحدة من القرآن - ولتكن سورة يوسف مثلا - ولو على أنها قصة، في نماذجه الأدبية؟ ومثل هذا يقال في الحديث الشريف ... إلخ»
تكلم حسنة من حسنات الأستاذ، يسعدنا أن نسجلها له فخورين.
*
مقال محدود كهذا المقال أضيق من أن يستوعب جميع حسنات الكتاب، سيما وأنه يقع في مائتين ونيف وسبعين صفحة من القطع المتوسط، ولذا فسأكتفي بالتنويه ببعض المواضيع البارزة في الكتاب، تاركا للقارئ فرصة الاطلاع على التفاصيل بنفسه، وتكوين رأي شخصي عنها.
فمقال «عاميتنا والمعجمية» جديد كل الجدة، طريف كل الطرافة، فيه من الأصالة والابتكار وخدمة لغة الضاد الشيء الكثير.
ومقال «الشعر الأندلسي» عرض سريع لكنه جامع لأولية هذا الشعر وديباجته، ودراسة وافية لجوانب هامة منه تشمل المبنى والمعنى معا، وتمتاز على غيرها من الدراسات التي تناولت هذا الشعر - وخاصة في الشرق- بما سجلته لشعراء الأندلس من سبق إلى «الشعر الوطني» هذا الشعر الذي صدروا فيه لا عن شعور عابر أو فكرة عارضة - كما يقول الأستاذ ص 54 - بل عن عقيدة ثابتة وإحساس أصيل.
كما أن مقالي «الكتب المنسوبة لغير مؤلفيها» و «المعزى بفتح الميم» فتح جديد في دنيا التحقيق العلمي، لا يدانيها في الأهمية إلا المقالان: «المخطوطات العربية في تطوان» و «المغرب في حلى المغرب».
*