دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 72
مطالعات وآراء: الأستاذ عبد الله كنون في كتابه الجديد "خل وبقل"
بقلم: محمد عبد الواحد بناني
غنيت المكتبة العربية في المغرب هذه الأيام بكتاب جديد لأستاذنا الجليل السيد عبد الله كنون يحمل عنوان «خل وبقل».
أما العنوان فهو - كما يقول المؤلف - إثارة مما علق بذهنه من دراساته الأولى، إذ يروى عن شعبة أنه قال «كل علم ليس فيه: حدثنا، وأخبرنا، فهو خل وبقل»، وأما الكتاب فامتداد لزميليه السابقين «التعاشيب» و «واحة الفكر» ... تقرأه - أو تقرأها - فتقرأ ثقافة وعلما، أدبا ونقدا، وتخرج في النهاية بنتائج، منها هذه النتائج الإيجابية التي لها قيمتها النفسية الإيحائية في فجر انبعاثنا الجديد، هذه النتيجة التي هي أن الأدب العربي في جناح العروبة الغربي - رغم كساد بضاعته، وكثرة المفلسين في تجارته - له أنصار، وله أبرار، بل له فدائيوه الذين آمنوا بقدسية رسالته فقاموا يناضلون عنها حتى الذماء ...
« ... ورسالة الأدب العربي - يقول المؤلف ص 155 - رسالة مقدسة يجب ألا تقتصر على الأغراض اللفظية، ولا على المتعة الذهنية، ولا على المعاني الذاتية التي لا يشعر بها إلا الأديب المتكلم نفسه، إنها رسالة! ومفهوم اللفظ مما ينبغي ألا يعزب عن البال، فهو مهمة الهدم والبناء، والعمل الجماعي المؤدي إلى الغاية التي أدت إليها رسالة النبيين من قبل، غايته فتح الآذان الصم، والأعين العمي، والقلوب الغلف، على (دعوة الحق) التي تنقذ البشرية من ضلالها الحديث، كما أنقذتها بالأمس من ضلالها القديم. وإنها مقدسة: وليس المراد بهذا الوصف معناه الخيالي الذي يبتذله به الحالمون، وإنما المراد به الإكبار من شأن هذه الرسالة، ذات المسؤولية العظمى، التي لا يتحملها إلا أبطال الكفاح من أجل القيم الإنسانية العليا، فهم المجاهدون الذين يزرى مداد أقلامهم بدم الشهداء».
تكلم هي رسالة الأدب كما يؤمن بها المؤلف .. رسالة هادفة تتخذ الواقع العربي بمختلف مقوماته نقطة الانطلاق، فإذا بالأدب صرخة، وإذا به دفقة نحو الحق، والخير، والجمال .. لا كما يتخيله أصحاب نظرية «الفن للفن» فرقعة فارغة، مقفلة على نفسها لا ترى النور، أو رياضة لفظية لا وظيفة لها سوى المتعة الذهنية وإزجاء الفراغ.
ومع أن الكتاب «مجموعة مقالات أدبية ونقدية» كما يقول المؤلف، فإن هدفها الأسمى وغايتها النبيلة التنويه ب- «الإسلام» كعقيدة ونظام، و «العروبة» كمبدأ وشعار .. إذ «الإسلام» بمعناه الشمولي، و (العروبة) بمفهومها الواسع هي الأنفاس العطرة التي لا تكاد تخطئها في أية صفحة من صفحات الكتاب أو ثنية من ثناياه، فهما المنبع وهما المصب، أما البحوث اللغوية في الكتابة، أو التحقيقات العلمية، أو المقالات ذات الصبغة المغربية، فليست كلها في الحقيقة إلا روافد لهما، وعناصر لا تطلب لذاتها وإنما من أجلهما ...
ففي مقال «من تاريخ الفدائية في الإسلام» ص 88 - 96 يستعرض المؤلف نماذج فذة من أعمال الفدائية والفدائيين المسلمين، تقف أمامها فدائية نساء أنينا في حرب اسبرطة، وفرنسا في حرب السبعين - رغم تنويه المؤرخين بها - خجلى موردة الجبين .. اقرأها لتصور حقا معنى قوله تعالى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» ثم اقرأ «ديوان الشاعر القروي» (المقال بالصفحات 268 - 273)