تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن الأستاذ المؤلف قد تعرض في الكتاب لبعض الجزئيات التي لا تزال حتى الآن محل نزاع فاصطفى فيها رأيا دون آخر من غير أن يذكر الرأي المخالف .. وله كامل الحق والحرية في هذا ما دام كتابه ليس مدرسيا يقصد به البحث لذاته وفي ذاته ...

ولكننا - ونحن نريد عرض هذا الكتاب عرضا منتجا في هذا المقال - لا نرى في ذكر الآراء الأخرى المقابلة هنا أي غمز في اطلاع الأستاذ الواسع عليها، لأن إهمال الناقد - لا المؤلف - لها يحمله مسؤوليتها، بالقدر الذي يجعل المؤلف في مثل هذه الحال غير ملزم بذكرها ما دام يصطفي غيرها من الآراء المقابلة ..

فخطبة طارق بن زياد المشهورة، التي ألقاها في جنده بعد أن عبر بهم المضيق إلى الأندلس: «أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم .. ص7» يعتمدها الأستاذ على علمه بأن هناك من مؤرخي الأدب - حتى التاريخ - من يرفضها لمجرد التخمين بأن طارقا «وهو بربري الأصل» ما كان أداره بهذه اللغة العربية، فقد خاطب بها جندا برابرة .. فكيف فهموها؟ أم أنهم - هم الآخرون - كانوا يتقنون العربية أيضا؟

والأستاذ يعتمدها، لأن معانيها السهلة ليست مما لا تصل إليه عقلية طارق، ولأن قرنا كاملا كان مضى على العربية والإسلام بالمغرب، وهو خليق بأن يجعل طارقا - والبربر معه - يتعلمون العربية ويفهمونها، أو أن صياغتها من عمل الرواة، والكل جائز ووجيه.

*

وفي ص 51 وما بعدها يتحدث الأستاذ المؤلف عن اختراع الأندلسيين للموشح، فيعتمد رواية ابن خلدون في «مقدمته» وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني (كانت خلافته من سنة 275 إلى سنة 300 ه.)

ولكن ابن بسام في الذخيرة يورد رواية أخرى فيقول: (الذخيرة: القسم الأول المجلد 2 ص 1) «وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير».

وقد كان أستاذنا الدكتور جودة الركابي يظن أن الرجلين رجل واحد، وأن مخترع الموشح ما هو إلا محمد بن محمود القبري كما جاء في الذخيرة، أما مقدم بن معافى الذي يورده ابن خلدون فما هو إلا تحريف لذلك الاسم، حتى أزاح النقاب عن هذه القضية الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني، عندما أوضح في مقال نشره في مجلة الأندلس الإسبانية أن كلا من الشاعرين الأندلسيين المنسوبين إلى قرية (قبرة) معروفان، ولهما تراجم مدونة في بغية الملتمس للضبي، والمقتبس لابن حيان .. وأن هناك نصا جديدا يثبت كلا من رواية ابن بسام ورواية ابن خلدون المنقولة عن الحجاري، وهو مأخوذ عن كتاب «مزية المرية لابن خاتمة الأنصاري» وقد نقله عنه المقري في أزهار الرياض ..

ولكن الأستاذ الركابي يعجب مع الأستاذ غارسيا غومس في تعليقه على مقال الدكتور الأهواني (مجلة الأندلس العدد الثالث عشر ص 28 - 31 عام 1948) من أن يكون مخترع الموشح شاعرين أندلسيين كلاهما من قرية واحدة هي قبرة، وكلاهما من عصر واحد هو عصر الأمير عبد الله بن محمد المرواني (في الأدب الأندلسي، للدكتور جودة الركابي 304 - 307).

وفي ص 52 يعتمد أستاذنا المؤلف رواية ابن خلدون التي تنص على أن عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية (يعني أبا عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز) هو الذي أحكم صناعة الموشح ونهج طريقته، ويضيف ابن خلدون (نقلا عن الحجاري عن ابن سعيد في كتابه المخطوط بمكتبتي القاهرة والأسكوريال «المقتطف في أزاهر الطرف» - (الركابي هامش ص 305) قوله: « .. وزعموا أنه - يعني ابن القزاز - لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف».

ولكن الدكتور الركابي يذكر أن أول من برع في هذا الفن وحدد أصوله بعد ظهوره، هو عبادة بن ماء السماء المتوفى سنة 422 ه، لا عبادة القزاز الذي جاء متأخرا عنه، والذي اشتهر هو أيضا بموشحاته في غضون القرن الخامس، وقد استند في هذا إلى ما يقوله ابن بسام عن هذا الموضوع:

«وكان أبو بكر (عبادة بن ماء السماء) في ذلك العصر شيخ الصناعة، وإمام الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكا سهلا، فقالت له غرائبه مرحبا وأهلا، وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٨٧