دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 61
لست أنا ...
بقلم: محمد الصباغ
لا يا أصدقائي، لست أنا ذلك الذي تحسبون.
فما كلماتي التي تقراونها سوى بخار كثيف يحجبني عنكم، ويحجبكم عني. وسأظل أكتب، وسأكتب كثيرا، متوهما أني سأجدكم في غدير حروفي، وساقية مقلتي.
وستظلون أنتم تقرأون، وعبثا تقرأون، متوهمين إنكم عثرتم علي، وفي الحقيقة إنكم ما عثرتم إلا على جماجم جوعي، ورفات ظمأى.
لقد مرت علي ثلاثون سنة وأنا أفتش في ذاتي عنكم، وفي هذه الذوات التي تحيط بي، وتحوم حولي، وتمشي معي: من ظلال وأنوار، من جداول ورياض، من نسائم وأغصان. وفي الليل أراكم تغمزونني من شرفات النجوم، فأطيش إليكم على أرجوحة القمر، فلا أعثر إلا على حباحب ظمأى.
ظمأ في عروقي، في اعضائي، في دمي، في أظافري، في أنابيب عظامي.
ظمأ سخين أحمر ينفخ في مخي، وفي رفيف دماغي، وجعبة خيالي، وقوس تفكري، ألمسه في عيني كصحراء سوداء تمشط فيها الشمس حراراتها.
آلا من يدلني على كلمة طفلة بريئة من النقاط والفواصل!
كلمة أريدها في سن الأعشاب الندية الخضيرة، ومن قطف أسرار البوح الخبيئة.
من يبيعها إلى فأشتريها منه كل مؤلفاتي وما ملك خيالي.
لا يا أصدقائي لست أنا ذلك تحسبون.
لا أنكر أني رافقتكم في الشارع، واجتمعت بكم في سمر قطوفه كرم الليل وليمون السحر، وملء ثغورنا بسمة الشباب العابث، كما اجتمعنا، واجتمعنا، واجتمعنا كثيرا، وتنادينا، وتآخينا، وتحايبنا، وأحببتكم أنا كثيرا. أتذكرون؟
أني أذكر جيدا أني كنت غائبا ... مفتشا عنكم في أول زهرة من فيض نور الصباح، باحثا عنكم في أول زهرة من فيض نور الصباح، باحثا عنكم في آخر أغنية من عصافير المساء. كنتم تلوحون لي، وأنا معكم كشيء قريب من هذا: كعتمة من بياض القطن، أمد إليها يميني، أمد إليها يميني، متعلقا بكم فتهوى في الفراغ ـ في ألف فراغ ...
لا يا أصدقائي، لست أنا ذلك الذي تحسبون.
أنا ذلك الذي يرافقكم دون أن تعرفوه، ويخاطبكم دون أن تسمعوه، ويجلس معكم دون أن تروه.
أنا ذلك الذي يحلم عندما أكون يقظا، ويغني عند ما أكون حزينا، ويرقص عندما أكون جريحا، ويحب عندما أكون جريحا، ويحب عندما أكون غاضبا.
كنتم في غيبي عاصفة من ورد، ولما استحالت العاصفة إلى نسيم رطيب هادئ، تلاشيتم أمامي كأغصان الرماد، وتلاشيت أنا أمامكم كخيط شمس في وارف ظل.
اطلبوني أن شئتم من الكلمة البتول التي لا تكتب، ومن النبع الذي يفور، ولا يفور إلا بالظمأ.
اطلبوني على حقيقتي من موقد الشفق الذي يحترق فيه النهار، فينهمر، وكأنه وبر الفحم.