تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طاغيا يفيض على كل شيء: كانت أشعة الشمس تنفذ من خلال زجاج النوافذ الملون، فتشارك ألوانها ألوان السجف والرياش في صنع العيد. وكان الهواء في البستان يترشف الأزهار في طريقه إلى مجلس الأسرة فيغمره بعبيرها. وكان هذا العبير ينفذ إلى المجلس قويا حين يخلو له الطريق، وضعيفا حالما حين يصده الدخان المتصاعد من السفافيد التي تعوض مبروكة عاريها بكاسيها، أو حين تتوقد المبخرة، وتضوع بروائحها التي تنقل الخيال إلى أفراح فاس، أو أسواق دمشق، أو أعياد بغداد ... ولم تكن آذان القوم أقل سعادة من بقية حواسهم بأفانين العيد وشياته، فهناك: وسوسة السفافيد، وخشخشة الصحون، وصليل الكؤوس، وأزيز «البابور»، وأصوات الموسيقى الأندلسية التي تنطلق من المذياع.

وكاد سرور القوم بعيدهم يكون خالصا لولا أنهم افتقدوا ربة البيت الراحلة، فتندت منهم العيون وتحرقت القلوب ... ولكن الحياة أقوى من الموت والحركة أطرد للسكون، فما لبث القوم أن انسوا ماضيهم بحاضرهم، وما لبتت يد فقيهنا أن جففت دمعتيه، واستأنفت نقرها بأناملها على الكأس البلورية، ذات المحاريب المذهب، مماشية أنغام الموسيقى الأندلسية الوقور.

وقد صرف هذا الجو النشيط عزيزا عن التفكير في نفسه، فاستشعر صحة لم يملك معها إلا أن يعلن أنه سينزل إلى المدينة ليقضي بقية يوم العيد فيها.

وقد طرب أفراد الأسرة لرغبة عزيز هذه التي زادت أعينهم به قوة وأنفسهم عليه اطمئنانا.

ولم يجد الفقيه أحمد أصلح من الجو الذي خلقته هذه البشرى لمفاجأته التي فنها فنا وأعدها أعدادا، فقال لغزيز في دعابة متوارية:

«هلم يا عزيزي ... أرني كيف يستقبل الفقهاء الناشئون عيدهم ... لا يجمل بك أن تستقبل الزوار هكذا ... تجمل بما يروقك من جلابيبك وكساك».

وقام عزيز إلى غرفته متثاقلا ليظهر لأبيه كما يريد.

ولما عاد عزيز إلى أهله لم يكن عجبهم دون عجبه حين فوجئ بالبذلة الأنيقة تنتظره في غرفته، فطوقوه بأنظارهم وقد أدركوا أنه كان على حق في إيثاره لهذا الزي الذي صقل شبابه وأقام عوده.

وتحولت الأنظار عن عزيز إلى والده في تشف مرح وشماتة ضاحكة.

وضحك عزيز بدوره، ثم تقدم إلى والده يقبل جبينه.

ومالت العمامة على عيني الفقيه أحمد، فرفعها عنهما وقد أغرورقتا بالدموع.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٦٦