تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطمأنة قلبه، وإراحة رأسه من هذه المطارق التي لا تنفك تنهال عليه من أيام وخلف ويمين وشمال.

ليقصر إذن همه على هذه النوازل التي تنزل به وبمن يسأله الله عنهم من أهله عنهم من أهله وبطانته. ولعله بعد ذلك أن يصبح أقدر على فهم هذه الحضارة، والحكم عليها، وإحلال أهلها محالهم من مراتب الطاعة ومراقي الإيمان.

واستعرض فقيهنا حياته، فما وجد فيها مبررا لما هو عليه من الغم والعناء. حتى حياة ابنه الذي هو من مواليد هذه الحضارة، لم يجد فيها، بعد أن فلاها ونفضها، مظنة لحرام. فعلى م إذن كل هذا الشجن ... ؟! أعلى أن يرغب ولده في استبدال الزي الإفرنجي بالزي العتيق الذي يريده هو على الدخول فيه؟!

تالله أنه لهوس! أمن أجل أن ولده يؤثر أن يكون ابن زمنه، يثور هو ويصخب ويحتد، حتى لتبلغ به البادرة أن يقهر وحيده في مرضه، ويأبى عليه أن يلبس البذلة التي انتقاها لعيده، فيردها هو إلى المتجر، ويلعن صاحبه، ويدعو عليه وعلى أمثاله «ممن مهدوا سبل العصبان أمام الشبان». رباه! كيف استطاع أن يفعل هذا؟! ولماذا؟! ألم يلبس رسول الله صلى الله عليهم وسلم جبة رومية؟! بمن يقتدي إذن؟!

وذكر الفقيه أحمد ما يتعلل أحيانا بقراءته من كتابات هؤلاء المجددين الذين يصفون أمثاله بأنهم حجارة في طريق الحضارة! أنه لم يشتر قط ولا ورقة مما يكتبه هؤلاء، فقد كان يربا برأسه أن يحشى بكلامهم الذي كان يراه فارغا في أحسن حالاته، وما كان يقراه إلا خطفا مما يأتي به ولده عزيز من الكتب والمجالات، وما كان يقرأه إلا «من باب العلم بالشيء»، وما كان يقرأه إلا في أوقات فراغه التي لو صح أن يلعب فيها لكان اللعب أجدي عليه من هذه القراءة، وما كان يقرأه إلا اختلاسا من عزيز حتى لا يظهر أمامه بمظهر الوالد الذي «ينهى عن خلق ويأتي مثله»، صحة وسدادا. فإذا من الحجارة لما يتفحر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، في حين أن ماءه هو كان أبعد من أن يستشيره حتى سقم عزيز وتظلمه.

وخجل الفقيه أحمد من نفسه، وعزم أن يصلح ما أفسده من العلائق، ويضمد ما جرح من الشاعر وهل هناك ترضية لعزيز غير أن يعيد بالبذلة التي ردها هو إلى المتجر أو بأخت لها شكلا وقياسا؟

ليسرع إذن إلى المتجر، وأحر بصاحبه ـ إذا كانت البذلة قد بيعت ـ أن يكون عونا نافعا له في الانتقاء والاختيار! أوه! ومن يأتي بالوجه الذي يستطيع أن يدخل به المتجر بعد ما غمر صاحبه شتما وأوسعه سبابا؟! ... ولكن الفقيه أحمد أبي أن يرجع عما ظهر له من الحق.

وكان صاحب المتجر رجلا «شاعرا» بقلبه، وإن لم يكن كذلك بلسانه، فقد عطفه على الفقيه أحمد حاله وهو يدخل المتجر مشفقا ويعتذر متلعثما، وسحره مشهده وهو ينصرف بحمله كما ينصرف الطفل بلعبته جذلا مسرورا.

عندما ولج الفقيه أحمد باب «الغرسة» ـ مصيفه الجديد ـ رأى عزيزا يحاول الجزار ويساعده على غسل أدواته، فسره منه هذا النشاط، وأصر على أن يعده من بشائر الخير وبوادر العافية.

وقال ـ وهو يمعن في إخفاء حمله تحت جناح السلهام حتى يفاجئ عزيزا فيسعده:

«السلام عليكم ... عيدكم مبارك! لقد تأخرت عنكم كثيرا .. ولكن لا بأس .. أحسنتم التدبير ..

ونحى عن كتفيه عزيزا والجزار اللذين كانا يقبلانهما، وتقدم نحو الكبشين المسلوخين، قال ـ وهو يتحسس أحدهما بأنامله:

«تبارك الله! حتى الذي لم يعلف .. !»

فأجاب الجزار ـ وهو يسمح جبهته بذراعه: «إنها غنم الصيف يا سيدنا الفقيه ... كلها شبعى!»

وهنا شعر الفقيه أحمد بيد ينتزع منه ما ظن أنه خاف عن الأعين، فتلفت، فإذا «مبروكة» تقبل يده، وتبلغه أن الشواء ينتظره، وتريد أن تحمل عنه ما يحمل، فأبى عليها هذا، وأنسل قبل أن يلبسي دعوة الشواء إلى غرفة عزيز، وحط حمله فيها.

توسط الفقيه أحمد هالة نيرة من آل بيته وجلسوا يتناولون فطور العيد. وكان روح العيد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٦٥