انتهز الفقيه أحمد فرصة انصراف الفقيه إدريس عن الحديث، فودعه دون أن يحفل باستيائه من لقية قصيرة بعد غياب طويل، وانحراف نحو طريقه يحث الخطى والفكر معا ..
ذكر العيد زوجته التي كانت أيامها كلها أعياد وكيف تكل بثكلها لذة العيش وبهجة الحياة.
وشجى فقيهنا حتى ألفى نفسه يردد هذا البيت الذي داسه دوسا من طول ما مر عليه في شروح الألفية:
خليلي ما أحرى بذي اللب آن يرى
صبورا ولكن لا سبيل إلى الصبر
وحاول فقيهنا أن يعزي نفسه بأن عزيزا وحيده ليس إلا امتدادا لحياة والدته ونفسا من روحها، ولكنه ذكر، والأسى يغمر جوانحه، أن عزيزا غلام معلول لا يسعى يوما إلا ليعتكف أياما ولا يسلو ساعة إلا ليتوجع ساعات ...
وما أسرع ما أفاق الفقيه أحمد من غشيته، فأنكر نفسه، ونعى عليها أن تقنط من رحمة الله، وأن تذكر بأساءه دون نعمائه، فهيئهم خاشعا: «صدق الله العظيم: فهيئهم خاشعا: «صدق الله العظيم: إنما أموالكم وأولادكم فتنة .. اللهم لاراد لقضائك ولا معقب لحكمك إلا بالضراعة والدعاء ... رب أني أضرع إليك أن تشفي عزيزا وترد عليه صحته!»
وأضفى هذا الاستسلام على فقيهنا راحة وأمنا فعاد يرى جوانب مشرقة من حياة عزيز كانت في ظلمة من يأسه وشجاه، فقال في نفسه:
«إن عزيزا على سقمه، يبيض الوجه ويشرف الآل. إن أخلاقه جماع الثناء، وثقافته مبعث الإعجاب. والإفرنجية .. ؟ إنها ليست على السنة لذاته بأسرع منها على لسانه، مع أنه تأخر عنهم في الالتحاق بـ «المدرسة»!.
ياللزمان كيف يتقلب! ويا للأفكار كيف تحول! لقد كنت أعد المدارس كنائس تعمد صبيان المسلمين .. حتى بلغ بي الزمان أن أحمل عزيزا بيدي هاتين إلى المدرسة، وألقى به فيها، غير آسف إلا على ما قضاه عزيز من الوقت قبل أن يعرفها! لقد أفادت المدرسة عزيزا ما لم يكن في وسعه أن يفيده دونها. إن الأوهام التي كانت توجه رأي الناس في المدرسة، حرمت أكثرهم من الإفادة منها، فحرموا خيرا كثيرا. إن الحياة أصبحت في حاجة إلى زاد من المعرفة لا يتوفر عليها إلا لخريجي هذه المدارس، فما يضير ولدي أن يكون منهم؟ صحيح أن المدرسة لا تخرج فقهاء ... ولكن الدين لا يقوم على الفقيه وحده ... ترى ماذا يكون من أمر الإسلام لو أصبح المسلمون كلهم فقهاء؟!».
واقترنت كلمة «الفقهاء» في ذهن الفقيه أحمد بالجلباب والسلهام، فمد طرفه يستعرض أزياء المصلين ومن إليهم من النظارة، فكاد يحكم ـ جائرا ـ لزي الفقهاء بالغلبة والاجتياح، لولا أن ذكر أن تسعة أعشار هؤلاء «المتجلببين المتسلهمين» لا يكادون يستقبلون ديارهم، أولا تكاد ديارهم تستقبلهم حتى يلقوا بجلابيبهم وسلاهيمهم إلى حيث تنعم العثة بها أو يأتي عيد آخر!
ورثى فقيهنا لانزواء هذا الزي الوقور، وراح يلقي تعبة هذا الانزواء على ما يسمونه بالحضارة الحديثة، فما كان الناس لولا هذه الحضارة لينكروا ماضيهم ويتخلوا عن تقاليدهم.
وذكر فقيهنا أنه، وهو يوسع الحضارة الحديثة ذما وتهجينا، لما يزل يمجد المدرسة التي هي أثر من آثارها ويد من أياديها!
أيكون إذن لهذه الحضارة وجهان؟!
وأوشك فقيهنا أن يستنجد حكمة «الثمار للجنى والعود للحطب» لتخلصه من ارتكابه، لولا أنه شعر بما في منطقه من ضعف وتخاذل، فقد وصل إلى أن الحضارة كالشلال لا تسعها المصفاة كالزوبعة لا يقف لها الغربال.
ورضي الفقيه أحمد على نفسه التي صنعت هذا التشبيه الجميل، ولكنه أيضا نعى عليها أن تحاول التخلص من مشقة النظر وكلفة الاجتهاد، فذهب يلاحق نفسه حتى أعادها وعلى عنقها آثار إظفاره اللطاف.
لم الفقيه أحمد شتات فكره، ورجع لنفسه، وحام حولها، فأشفق من حيرتها، وعزم أن يطهرها من الشكوك بالقدر الذي يسمح به ما حولها، وإن يكفها عن الفكر المجرد الذي يكده ويضله، ويباعد بينه وبين النتيجة التي يسعى إليها ويحاول أن يقيم عمله عليها. ولا أسهل عليه من ذلك لو ضيق دائرة فكره حتى لا تتعدى مسائله الخاصة، ثم ينظر في هذه المسائل بواسطة «أصول الفقه» التي يتوفر على قواعدها. إنه إذن لواصل إلى تجلية موقفه،