دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 50
الجسر
بقلم: أبي بكر اللمتوني
قصة مغربية تنتشر في حلقات متسلسلة
خرج الفقيه أحمد من المصلي وهو يهيتم بالمعقبات. وما أمن زحام الباب ووجد مضطربا يضطرب فيه، حتى رمى بجناح «سلهامه» الأيمن على كتفه اليسرى، ومضى بخطى واسعة، وبوده لو بدرك الحافلة قبل أن تتحرك.
وامتد الطريق أمامه حافلا بالعسكر، والنظارة الذين يترقبون عودة موكب «المخزن» من المصلى، فرأى أن يتنكب عنه إلى طريق آخر، فيعمل بالسنة الشريفة، ويتفادى جموع المهنئين، من تلامذته الكثيرين، وأصدقائه الفقهاء الذين لا ينتهي لهم الحديث.
وفيما هو يهم بالانعطاف، تأدى إليه من خلفه صوت يناديه، فلم يلتفت، وما كان ليلتفت لولا يد ربتت على ظهره، واضطرته أن يتبين صاحبها. وما ألتفت حتى اشرق وجهه، وأدرك أنه كان مخطئا في تصامه وبسط يديه للعناق هاتفا:
«أهلا بالفقيه إدريس! أهلا بالصديق الهارب! أهلا بالرجل الذي لا نراه إلا في يوم عيد! يوم مبارك!» وتعانق الفقيهان. وما سدلا أيديهما حتى أختطف ولد الفقيه إدريس، الذي كان يحمل لبدة والده، يد الفقيه أحمد ليقبلها، ولكنه ما كاد يفعل، حتى تعالت أصوات الموسيقى مؤذنة بتحرك الموكب، فاختزل الغلام قبلته، وأسرع رشيقا أنيقا يخترق الصفوف ليتفرج ...
واستأنف الفقيهان الحديث، فقال الفقيه إدريس:
ـ «لم لا أرى معك عزيزا ولدك؟ أما شوفي؟»
ـ «بلى ... ولكنه يستجم. وهو لهذا أحوج ما كان إلى الراحة».
ولم يكن عزيز شوفي تماما، ولكن الفقيه أحمد آثر إقرار صديقه على حسباته، فرارا من تشعب الحديث، غير أن الفقيه إدريس ـ وقد فاتته فرصة المحاضرة في الطب والتطيب ـ انطلق يتدفق بفيض من فلسفة الصحة، وأدب الصحة، وحكم الصحة كغاية من السعي، وكوسيلة إلى عبادة الله.
وعاد الموكب محفوفا بالعسكر فرسانا ومشاة، وعاد الناس وراءه رجالا ونساء وصبيانا، وما منهم إلا ويسيل ريقه من تخيل ما سينعم بالتهامه من شواء، ويمني بـ «بولفاف» دسم يلف الشواء لفا.
ومال انتهى حديث الصديقين، ولكن انتهى إمكان وقوفهما بين هذا الموج المتلاطم من الناس، فشرعا يتمشيان، وكان أيديهما من وفرة المهنئين، المصافحين والمقبلين، مجاديف لا تسكن على حال.