التيسير وأهلها ما يزالون ذوي عزة وبأس. غير وضع قواعد للغة ما، وخصوصا للغة العربية التي تتطلب اهتماما كثيرا باللفظ إلى جانب المعنى، هو في حد ذاته عمل جليل يستحق عليه الواضعون كل تقدير واعتبار بيد أن هؤلاء الرجال المقتدرين، لم يكفرهم أحد في زمانهم، ولم يقل لهم الناس أنكم قد أحببتم أن تخرجوا عن تقاليد العرب وتحطموا تراثهم. بل على العكس من ذلك، فقد تلقى طلاب العلم ورجال الفكر عملهم بمزيد التقدير، وكان علماء النحو في الكوفة والبصرة، يتنافسون في خدمة اللغة العربية. أما اليوم فتفكير بعض الناس، ينحصر في وجوب المحافظة على قواعد اللغة العربية وأصولها، دون أن سمو إلى مقارنة مكانة هذه اللغة بين اللغات العالمية، ولا إلى النظر في حالة تلاميذنا المساكن الذين لا تستقيم لهم لغتنا إلا بعد جهد جهيد وسنين متتابعة من الدراسة.
فما العمل إذا؟ ـ نهجر خطنا العربي بالمرة وتكتب بالحروف اللاتينية حتى نحسم مشكلة الحركات المنفصلة عن الحروف؟ ولكن هذا العمل، يعد انفصالا عن جزء من مقوماتنا لصالح حروف أجنبية لا صلة لها البتة بالعربية، ففكرة الحروف اللاتينية والحالة هذه، يجب أن تنبذ لأن العربية ما دامت هي لغتنا القومية، فلا معنى لأن نفصل عنها الحروف العربية التي لا نظير لجمالها في لغة أخرى ...
غير أنه من الضروري أن يفكر قبل كل شيء، في تبسيط النحو وتحديد قواعده التي تنقص الاستثناءات المطردة من قيمتها. وتبسيط النحو يستدعي إلغاء بعض الاستعمالات كالمثنى في الفعل والاسم مثلا، وإن كان هذا العمل سيستدعي رد فعل عنيف من المحافظين، وأقصد بهم الذين يفكرون في غابر الأزمان، ولا يفتحون عيونهم على حقائق الحياة.
وأما مشكلة الأعراب بصفة عامة فينبغي أن يوضع لها حد، فإذا كان من المسلم به اعتبار موقع الكلمة أي موضعها في الجملة بحيث تكون بعد هذا الاسم أو ذاك الحرف مثلا، فليس من اللائق أن تستمر حركات الأعراب موضع النزاع في المجالس، حيث يكون القصد مطالعة كتاب أو صحيفة فيتحول إلى نقاش طويل في الرفع والنصب وباقي حركات الأعراب!
والواقع أن مشكلتي الأعراب والكتابة ترتبطان ارتباطا وثيقا، إذ لا توجد فائدة كبيرة في إدماج الحركات في الحروف، ما دامت مشكلة الأعراب قائمة.
وفيها يخص الألفاظ الفنية، أعتقد أن القضية أهون من أن تستلزم كل هذا التراخي والعجز من جانب اللغة. وأعضاء المجامع اللغوية يتحملون أكبر مسؤولية في هذا الباب، لأن سيلا جارفا من الألفاظ العلمية والفنية يزداد يوما عن يوم، ولا يوجد أولا يحاول أن يوجد له مقابل في اللغة العربية.
ولا يعيب العربية أن ليس فيها تعابير فنية بالقدر الذي يوجد في بعض اللغات الأجنبية، ولو أن رجال اللغة فكروا في وضع مقاييس تصبح بها التعابير الفنية أكثر مرونة لحلت مشكلة هذه التعابير وصلحت تلك المقاييس ما بقيت اللغة. أما أن تكتفي بإيجاد بعض الألفاظ فقط، مع ما تستهدف له هذه الألفاظ من جدال طويل بين أعضاء المجامع اللغوية، فستظل دائما في مؤخرة الركب.
وكثيرا ما يظن بعض الناس أن عجز اللغة في هذا الباب راجع إلى كون العرب أنفسهم ليسوا هم الذين يبتكرون الآلات والأجهزة العلمية فيضطروا إلى إيجاد أسماء لها. وهذا منتهى الغلط، فكثيرا ما تخترع أشياء في انجلترا مثلا وتوضع لها هناك أسماء، ثم يوضع على الفور ما يقابلها في بلدان أوروبية أخرى.
وأنه ما دامت لم توجد مقاييس تعين على تقبل اللغة العربية للتعابير الفنية بأكبر قدر ممكن، ودون صعوبة حقيقية، فيظل الصراع قائما في مجامعنا اللغوية دون كبير فائدة، بل وربما سيأتي الوقت الذي نود فيه أن نكتب حديثا علميا بلغتنا فنجد أنفسنا حيال عشرات من الألفاظ العلمية الحديثة الأجنبية التي تراكمت مع الزمن ولا سبيل إلى ترجمتها أو تأدية معناها الدقيق في اللغة العربية.