تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كثيرا من طلبة الأقسام الثانوية سيعجزون عن التفريق بين موقع «سواران» بالألف وموقعها بالياء ولو درسوا قاعدة المثنى واسم الفاعل.

ومما يصعب استعماله في اللغة العربية «المثنى» سواء في الفعل أو في الاسم. أنظر إلى هذا التركيب «كان الرجلان حاضرين مع أخويهما» لا يكفينا أن نعرف أن المثنى هو ما دل اثنين فحسب، بل يجب أن نعرف أنه تارة يكون الألف والنون، وتارة يكون بالياء والنون، وأخرى تحذف نونه، فيجب علينا والحالة هذه أن نكون على علم تام بمعرفوعات الأسماء ومنصوباتها إلخ ... ثم فائدة وجود المثنى مبدئيا؟ وإذا كان لوجوده فائدة، أفلا يستساغ أن يكون هناك مثلث ومربع وهكذا حتى نعثر على الجمع؟

إن المنطق يقتضي أنه متى اشترك اثنان أو شيئان فذلك جمع.

وأما جمع الأسماء فهو من أصعب أبواب النحو بينهما الجمع في اللغات اللاتينية لا يتوقف سوى على إضافة حرف معين إلى الاسم المفرد. فنحن أولا أمام ثلاثة أنواع من الجمع: جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، وجمع التكسير. ثم أن جميع التكسير غني بالأوزان التي لا حصر لها، وأغلبها ليست لها قاعدة مطردة. ولعل الكثير منا يحار في جمع هذه الكلمات كلها أو بعضها: «شق، طل: قفا، رئبال، رؤوم» وأمثالها كثير جدا ...

وقد أدليت ببعض الملاحظات في ما يرجع إلى تعقد النحو العربي، على أن نمت ملاحظات أخرى كثيرة في نفس الموضوع، وأعتقد أن في استقصائها مدعاة لملل القارئ. والآن ننتقل إلى مشكلة الألفاظ الفنية في اللغة العربية:

كان العربي في الجاهلية وصدر الإسلام إذا قام يصف جواده أو سلاحه أو مسكنه، عبر عن ذلك بدقة متناهية حيث يجد في متناول يده من الألفاظ ما يمكن أن يعبر به عن أي شيء يدور حوله، فكلمات سنان ونصل وحسام ومهند، مثلا تؤدي كل منها معنى مستقلا. وجاء العصر العباسي فأصبح تداول مثل تلك الألفاظ قليلا، وكثير منها هجر استعماله بسبب الحضارة التي بلغ إليها العرب في هذا العصر، فما يتعلق بدقائق خيمة البدوي وسلاحه وركوبته، حل محله ألفاظ حضرية من تأثير الفرس خاصة. ولحسن الحظ، فإن اللغة لم تضق عن هذه الألفاظ الجديدة كحانة، وطست، وإبريق، وخرستان وغيرها.

ويوم حل ألوبال التركي بالعربية علومها، فقد تأخرت عن ركب الحضارة الذي بدأ يسير فيه الغربيون منذ أربعة قرون تقريبا، وأنشأت الآلات الصناعية والاختراعات العلمية بينما العرب يقاسون الويلات من جراء الاضطهاد العثماني.

فالكلمات الفنية والعلمية أصبحت اليوم تعد بالآلاف ولم يعرب منها سوى عدد محدود جدا.

ورغم المجامع اللغوية التي تكونت بالشرق، فإنها لم تؤد ما كان ينتظر منها في ميدان إصلاح اللغة وإدخال الألفاظ الفنية عليها.

فإذا أخذنا (دراجة) فقط، فسنجد أن كل لولب فيها له اسم خاص في اللغات الأجنبية، وحتى مقودها يختلف في الاسم عن مقود السيارة مثلا، أما الأجهزة الكهربائية العديدة، وأنواع الأثاث، والمصابيح، وأواني الطبخ وغيرها، فلكل منها اسم خاص في اللغات الأجنبية. ومع أننا لا نخترع أو نبتكر جديدا في هذه الأشياء، فإن قادة الفكر واللغة فينا عجوزا على كثرتهم عن اختراع كلمات هذه الأشياء التي لم نهتد بعد إلى ابتكارها بأنفسنا.

وحتى ما وضع من المصطلحات، يتجلى في كثير منه تكلف وثقل، كالدراجة النارية «وهي في الحقيقة أنواع كثيرة، ولكل نوع اسم خاص في اللغات الأجنبية» وكسيارة الشحن وسيارة النقل وسيارة الإسعاف، كأنه لا يوجد ما يعبر به عن أنواع السيارات سوى بهذه الإضافة المتكررة، هلا قلنا: شحانة أو نقالة .. إلخ؟

ومن المعلوم أن العرب كانوا في قديم عهودهم يتكلمون العربية سليقة حيث كانت لا تكلفهم دراسة لقواعد معينة، واختلاطهم بمن كانوا يسمونهم الأعاجم هو الذي أفسد عليهم لهجتهم، واضطر العلماء والأدباء أن يعجلوا بوضع قواعد لهذه اللغة، خوفا من أنصارهم في اللهجات الأجنبية، وكان عملهم هذا يهدف إلى المحافظة على سلامة اللغة من اللحن، ولم يكن يهدف إلى تيسير اللغة، إذ لم تكن بعد في حاجة إلى هذا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٦١