تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 47

مشاكل اللغة العربية

بقلم: إبراهيم حركات

عندما يتناول أحدنا كتابا يقراه فمن العسير أن يسلم من اللحن، ولو بلغ من التضلع في هذه اللغة أقصى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري. ومن المحتمل أن لا يرتكب القارئ خطأ نحويا بالمرة، ولكن الألفاظ اللغوية العديدة التي وردت في كلام العرب لا يمكن لأحد أن يحيط بها معنى لفظا. ولدينا كلمات كثيرة بعضها نتداوله في ما نكتبه أو نقرأه ومع ذلك فإننا نضطرب أحيانا في قراءتها كلبخ، ومخل، وفجأة ومعز، وكشتبان، وينسق، «فعل بتخفيف السين» وكسوة، وزي، وعنز، وخاتم. وقد نضم ألفاء في «فجأة» أو نكسر التاء في «خاتم» فيخطئنا السامع، مع أن فاء «فجأة» وردت بالضم والفتح، كما وردت كلمة «خاتم» بفتح التاء وكسرها.

وقلما نهتم بالمعنى عندما نقرأ بحضور شخص أو أشخاص آخرين، إذ يكون همنا حينئذ منصبا على التحرز من الأخطاء النحوية. ولذلك يقول الدكتور طه حسين: إننا نقرأ النحو لذاته، بينما الإفرنج يتخذونه وسيلة لفهم علوم أخرى.

ولكي يقدر كل منا مشكلة القراءة في اللغة العربية، يمكنه أن يقارن بين تلميذ من قسم الشهادة الابتدائية عند ما يقرأ قطعة غير مشكولة، وبين تلميذ درس الفرنسية، في مستوى القسم المذكور، عندما يقرأ قطعة باللغة الفرنسية. فمن المؤكد ـ والحالة هذه ـ إن الأول لن يسلم من اللحن عدة مرات، بينما الثاني سيقرأ بسرعة ودون خطأ في الغالب.

وما دامت العربية على صورتها الحالية، فمن المرجح أنها لن تحظى بنفس الإقبال هنا، إقبال أبناء العرب أنفسهم، فإن هؤلاء يجب أن يجبروا على تعلم العربية كلغة أساسية، وإنما أعني إقبال الأجانب الذين يهمنا أن تنتشر لغتنا بينهم أكثر مما هي عليه الآن.

أما صميم مشكلة القراءة في اللغة العربية، فهو كونها تتطلب مستوى عاليا في النحو ليمكن تحرز أكبر ما يمكن من الأخطاء في ما لم يشكل، بينما اللغات الحية الأخرى لا تتطلب هذا المستوى العالي، بل إن بعضها لا يكاد يتطلب مجهودا حقيقيا كاللغة الأسبانية مثلا.

وقد فكر البعض في حل مشكلة القراءة بواسطة إشراك الحركات مع الحروف، بحيث تكون الحركات جزاء من الكلمة، غير أن هذه الفكرة لن تحسم المشكلة، فعند ما نطالب طفلا يتعلم العربية، بأن يكتب بعض التراكيب بأسلوبه الخاص، يتعين عليه أن لا يفكر في موقع الكلمات التي يختارها لتراكيبه فقط، بمعنى أنه لن يفكر فقط بأن هذه الكلمة ينبغي أن تجيء بعد تلك أو قبلها، بل يلزم أن يفكر أيضا في هل يجب أن تكون منصوبة أو مجزومة أو مرفوعة، وسأعطي الآن مثالا بسيطا: عندما ندرس قاعدة «الفاعل» في لغتنا، فإنه لا يكفي أن نعرف أنه الذي يفعل الفعل بل أن نعرف كذلكن أنه مرفوع، وأنه يجب أن يقع بعد الفعل «كربح السابق» مثلا. أما إذا قلنا «السابق ريح» فيصير لفظ «السابق» مبتدأ. ويصير الفاعل مستتر في هذه الحالة ...

فنحن إذا، أمام مشكلة أساسية خطيرة هي مشكلة النحو. وأما مشكلة القراءة، فهي نتيجة لصعوبة النحو نفسه. فكر أيها القارئ الكريم أننا قد قطعنا سنوات عديدة من أعمارنا قبل أن نستطيع صياغة مثل هذا التركيب: «هؤلاء من الخدمات اللواتي قبض عليهن وجال الشرطة سارقات سوارين» إذ يتعين أن لا نستعمل في «قبض» لغة اكلواني البراغيث. أما سارقات فيكسر آخرها عوض أن ينصب. وأما «سوارين» مع أن من السهولة بمكان أن يعرف معناهما صبى في الأقسام الابتدائية، ولكن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٦٠