تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولست أدري مصير هذه الأقاصيص وإن كان الغالب على الظن أن بقاياها ما تزال تسرد في باب عجيسة وباب الفتوح (بفاس) وفي باب جامع الفناء (بمراكش) وفي باب منصور العلج (بمكناس) في حلقات هادئة يطيب فيها سرد القصص ويروق سماعها.

وكما كانت قصة (الهلاليين) شائعة فقد كانت هناك قصص أخرى أكثر ذيوعا منها، بل أن مؤلف كتاب تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (يقول في الجزء الثاني ص 54) أن الموحدين شجعوا نشر الكتب التي تتحدث عن الفروسية أو كتب المغامرات والقصص في جميع أنحاء المملكة سواء في المغرب أو في الأندلس، بل لقد سمحوا بقراءة هذه الكتب من فوق منابر المساجد ...

والذي نعرفه في تاريخ المغرب هو أن الخلفاء عندما يشجعون حركة أدبية يباركونها في الواقع، وقد أشار مؤلف كتاب العلوم والفنون والآداب الموحدية إلى هذه الملاحظة، ونقل نص ابن خلدون عن الاستقصا، ونص أشباخ كذلك.

أما القصة الفلسفية: فقد ترك لنا ابن الطفيل المتوفى سنة 580 قصة رائعة، ولكنها ليست بأدبية وإنما هي قصة فلسفية، ولا أعلم لها نظيرا في كتب الفلسفة الإسلامية، ولا أعلم لها نظيرا في كتب الفلسفة الإسلامية، وهذا الكتاب هو (حي بن يقظان) ويقول مؤرخو الفلسفة أنه أول فيلسوف إسلامي صب فلسفته في قالب قصصي، وجعل بطل قصته شخصا موحدا يكون نفسه وأفكاره بالاحتكاك بالطبيعة والكائنات التي هي أقل منه درجات، من جماد ونبات وحيوان إلى أن يصل إلى نقطة الإدراك والاتصال، ويقول (محمد لطفي جمعه) أن هذه القصة الخيالية تعد بحق نوعا من الطوبى العقلية التي قلدها ونسج على منوالها كثيرون من كتاب الإفرنج ومفكريهم كقصة (كريستان كرزوي) ونستنتج من كلام المراكشي في المعجب أنها كانت منتشرة في عهده، فقد قرأها في جملة من قرأها، ووصفها وصفا موجزا، وفي دائرة المعارف الإسلامية (مجلد لـ ع4) ذكر لخلاصة هذه القصة المشهورة.

وأما النوع الثاني وأعني أدب الرحلات، فإن الذين كتب لهم أن يجولوا في المخطوطات المغربية لاشك أنهم عثروا على كثير من هذه الرحلات القصصية التي تشابه رحلة ابن بطوطة مثلا، تلك الرحلة التي رغم رداءة أسلوبها القصصي ما تزال قصة ممتعة غالبت رحلة (ماركو بولو) وكانت أثبت منها على الخلود.

والمغاربة أحبوا من قديم الرحلة عن ديارهم مدفوعين إلى ذلك التجوال حبا للعلم والمغامرة أو للحج أو الاتجار أو للبحث والاستكشاف أو للغزو والجهاد أو للنفقد والتعهد، كرحلات بعض الملوك والأمراء، أو للسفارة إلى بعض الدول، وكانوا يكتبون ما يشاهدون ويدونون الملاحظات والارتسامات وأحيانا يسردون أقاصيص وحكايات مما ينزع منزع القصة الأدبية) كل ذلك فيما يكتبون في هذه الكتب التي يعبرون عنها (بالرحلات).

وفن الرحلات هذا، فن قصصي شائق وجذاب، فرحلة ابن بطوطة مثلا ليست إلا قصة شائقة لم يكتب لها أن تصاغ في لغة أدبية وزينة، ولم تمتد عناية أبي عنان الذي أمر بجمعها إلى أسلوبها وقاليها، ولا أريد بالرحلات الرحلات السفارية أو الرحالات الرسمية، وإنما أقصد (الرحالات) السياحية التي يباح للمؤلف فيها سرد الوقائع والاحتفاء بالغرائب والنوادر وإضفاء شخصيته على ما يكتب ويسرد، كرحلة ابن بطوطة وكرحلة ابن رشيد الفهري من قبله المتوفى سنة (657) ولا يمكن استقصاء هذا النوع من الرحلات لأن الحديث عنها طويل ولأن لها من يثقن الكلام عنها من علماء الأدب المغربي المعاصرين.

أما عن المسرحيات فلا شك أنهم عرفوا المسرح حين اتصلوا بالفنيقيين وحين اتصلوا بالرمان، وفي نار (وليلي) ما يدل على هذا، بل أن البكري وهو رحالة قديم يتحدث عن إفريقيا فيصف (المسرح) بها، والعجيب أنه يسميه (طياطرو) باسمه الغربي، وسأنقل منه هذه الفترة، قال البكري في كتابه المالك والممالك:

«وأعجب ما بقرطاجتة دار الملعب وهم يسمونه (الطياطرو) قد بينت أقواسا على سواري وعليها مثلما ما أحاط بالدار، وقد صور في حيطانها جميع الحيوان، وصور أصحاب جميع الصناعات، وجعلت فيه صور الرياح، فجعل صور الصبا وجهه مستبشرا، وصوره الدبور وجهه عابس، ورخام قرطاجتة لو اجتمع أهل إفريقيا على نقله واستخراج جميعه ما أمكنهم ذلك لكثرته، وفيها قصر يعرف بالمعلقة مفرط العظم والعلو فيه اقباء معقودة طبقات كثيرة مطل على البحر، في غربيه قصر يعرف بالطياطير، وهو الذي فيه دار الملعب المذكور، وهو كثير الأبواب والترويح، وهو أيضا طبقات على كل باب صورة حيوان من رخام، وصور جميع الصناع، وقصر يقال له قومش طبقات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٥٧