تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 43

القصة في تاريخ الأدب المغربي

بقلم: الحسن السايح

لم أعثر في آثارنا الأدبية القديمة على ما يفيد أن المغاربة عالجوا القصة قديما، فلقد اتصلوا بالحضارة الرومانية واتصلوا كذلك بالحضارة المسيحية، وكان هذا الاتصال وثيقا جدا.

فالذي أعرفه أن بعض المغاربة القدماء كانوا من رجال الفكر في روما، وقد تركوا أثرا أدبيا وفلسفيا ودينيا، ولكنهم لم يعالجوا القصة كما عالجها الرومانيون، أو لعلنا لم يصل إلينا شيء من إنتاجهم في هذا الموضوع.

ولما جاء الإسلام اشتغلوا طيلة العهد الإدريسي بالفتوح ونشر الدعوة الإسلامية، بل أنهم في عصر المرابطين تعرفوا على كتب ابن المقفع القصص المطولة وإن كانت حكايات (جحا) عريقة في التاريخ الأدبي المغربي يتحدث عنها المؤرخون كأثر قديم جدا، غير أنها لا تخرج عن نطاق المسليات والأحاجي والمضحكات.

وفي العصر الموحدي، نجد ثلاثة أنواع من القصص: القصص الفلسفي الذي تركه لنا الفيلسوف ابن الطفيل، في حي بن يقظان، وقصص الرحلات وهي عبارة عن القصص التي يسردها الرحالون المغاربة، إذا من المعلوم أن المغاربة أكثروا من التجوال سواء في داخل بلادهم أو في الشرق العربي، مصر وسوريا والحجاز والعراق وبلاد الفرس وبلاد تركيا .. أو في بلاد الغرب كالأندلس (بعد الاحتلال) وفرنسا وألمانيا أو في الجنوب المغربي كبلاد السودان وغيرها، ومن المعلوم أنهم تجولوا كثيرا في مختلف أقطار العالم ودونوا مشاهداتهم وكانوا ينزعون منزعا قصصيا في سرد الحوادث والمشاهدات والوقائع والتاريخ.

وهناك قصص شعبي كان ملهاة للشعب يسمر بسرده الناس، ويقرأونه في الكتب، ويمثلونه في الحلقات لسرد العبر الماضية والاتعاظ بها.

أما عن هذه الأقاصيص الأدبية التي تصف الوقائع وتسرد الأحداث فقد ذكر ابن خلدون في تاريخه عندما تحدث عن الهلاليين قائلا:

ولهؤلاء الهلاليين في الحكاية عن دخولهم إلى إفريقيا طرق يزعمون إن الشريف ابن هاشم كان صاحب الحجاز ومكة، ويسمونه شكر بن أبي الفتوح وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته جازية، فانكحه أياها وولدت منه ولدا واسمه محمد، وأنه حدث بينهم وبين الشريف المذكور مغاضبة وفتنة فأجمعوا الرحلة عن أرض نجد إلى إفريقيا، وتحيلوا عليه في استرجاع أختهم جازية المذكورة فطالبته بزيارة أبوبها فأزارها أياهم وخرج بها إلى حللهم وأقام معها مدة الزيارة، فارتحلوا به وبها كتموا رحلتهم عنه وموهوا عليه بأنهم يباركون به للعيد والقنص، ويروحون به إلى بيوتهم بعد بنائها، فلم يشعر بالرحلة إلى أن فارق موضع ملكه وصار إلى حيث لا يملك أمرها عليهم، ففارقوه ورجع إلى مكانه من مكة وبين جوانحه من حبها داء دخيل، وإنها من بعد ذلك كلفت به مثلما كلف بها إلى أن ماتت من حبه. ويتناقلون من أخبارها في ذلك ما يعفي على خير قيس وليلى ويروون كثيرا من أشعارها محكمة المباني مثقفة الأطراف وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع، لم يفقد فيها من البلاغة شيء، وإنما فقد منها الأعراب فقط ولا مدخل له في البلاغة، وفي هذه الأشعار شيء كثير دخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية فلذلك لا يوثق به، ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بآياتهم ووقائعهم مع زناتة وحروبهم، وضبط لأسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم، لكنا لا نثق بروايتها، وربما يشعر البصير بالبلاغة المصنوع منها غيره، وهم مثقفون على الخبر عن حال جازية هذه والشريف خلفا عن سلف، وجيلا عن جيل، ويكاد القادح فيها والمستريب في أمرها أن يرمي عندهم بالجنون لتواترهم بينهم» (هذا نص ابن خلدون).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٥٦