وكم يلذ لي أن أردد بيتا ينسب للمولى عبد السلام والمعرف بالمحب وكان المولى عبد العزيز العلوي قدس الله روحه، وترجمه الأديب غريط في كتابه عقود الجمال وهو:
(وقد بلغ العشرين يا أم مالك ولم يفتخر لم يفتخر بزمان)
وهذا علاوة عما استفدناه من بين سطور القصة ـ إن الشباب الأمير المنصور كان يعد في غمار الأدباء الذين لهم حظهم الخاص في ذوقه وتفهم خصائصه لحد المقاية والمقابلة بين الغث والسمين والنازل والعالي ووضع ميزان متمثلا في نفسه.
(يموت رديء الشعر من قبل أهله وجيدة يبقى وان مات قائله)
وليست هذه أول مرة فيها نبوغ هذا الأمير الخالد في الأدب الحر وفنونه الرائعة ـ فقد هدتنا حياته النبيلة وأيامه الغالية ـ وأنه ذات يوم طلب من قاضيه أن يختار له رجلين لغرضين ـ هما تعليم ولد، وضبط أمر، فما كان من القاضي إلا أن عرفه برجلين قال في أحدهما: هو بحر في علمه، وقال في الآخر: هو بر في دينه ولما خرج القاضي أحضرهما المنصور واختبرهما فقصرا بين يديه، واكذبا الدعوة، فوقع المنصور على رقعة القاضي: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ـ ظهر الفساد في البر والبحر) وبعد هذا التوقيع من العاهل الموحدي من أجل التواقيع الملوكية المبرهنة على علوهم أدبا وسياسة فضلا عما يعرب عنه التوقيع من الحزم والأخذ بالحيطة لغاية مباشرة الأشياء بأيديهم كعمل بالمثل (ما حك جلدك مثل ظفرك ـ فتول أنت جميع أمرك) ظاهرة توحي بأحد أمرين، إما أن القاضي لم يتوقف في الاختيار أو اغتسر بالرجلين، وأما أن يكون على علم ولم يدر بخلده أن الخليفة المنصور وراءه بتعاهد الاختيارات ويدقق البحث في سجل الانتخابات ليقف بنفسه الكريمة على الحقائق ويدرس من وراء ذلك تبلغه قيم الدائرة المحيطة بع ويعرف مقاديرها قوة وضعفا، وتلك من أمثال المنصور دروس يوجهها رؤساء الشعوب لأممهم كي لا يتهاونوا بالمصالح ولا يقدروا ما نجم عن الاختلال من انحلال وانهيار، ولما يسري إليهم من تيار هذه الدروس وتأثيراتها الفعالية التي تدفعهم نحو العمل المجدي جاهدين في وضع الحقائق مواضعها لتسيير الأمور سيرا طبيعيا يبعث على الاطمئنان في كل مناحي الدولة ومقاصدها إنما قد يتساءل عن هذه الجولات قائلا ما الداعي لقصدها في المجموع على الخلفاء والملوك ـ الجواب ذلك أنفسهم أن أئمة الأمم وملوكهم يكونون مقاييس صادقة وأمثلة حية لشعوبهم في الاقتداء وترسم الخطى (والناس على دين ملوكهم) على ان الملوك لا يتكونون إلا في محيط عملي مشرق ومن هنا يتسع الميدان ويزدهر الحقل وتتفتح أبواب القول على مصاريعها ويعلو الأدب العربي وتسمو مناحيه على اختلاف ألوانها بما يساعد الكتاب على التفنن والانطلاق في روض افانينه الزاهرة وحدائقه الخصبة حيث نلتقي مرة أخرى بين جداولها وافيائها رائدنا الأدب العربي الحر.