تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يتعمق داخل أشطار البيتين يدرك مدى تحليق هذا الشاعر وسموه في التصوير وإبداعه في المدح إذ صادفه الحال قابلا للانفعال والهداية صورة وضاءة لم يلبث أن تقمص في شكلها ـ فضلا عن المعنى الكريم الذي احتواه حيث كان من اهتداء الزمان يهديه ـ ان تكونت أيامه وأصبحت تدين بتعاليمه المنحدرة في أصلها من الخلفية العادل عادلة في سيرها وذلك ما يرغم أبناء الشعب على ترسم خطاها والاصطباغ بلونها الطاهر وهو الخليفة الذي سمع هذا البيت:

(ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي)

حتى اهتز لمطلعه طربا واستعاده من الشاعر الفحل محمد بن أبي العباس السمعاني واستعاده، ثم أمره بأن يقتصر عليه، واجازه فيما يقول العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة ـ بألف دينار قائلا له: لقد قلت في هذا كل شيء، نعم لقد قال فيه كل شيء أليس أنه قد مدحه بالشجاعة والتفوق فيها حتى نفى عن غيره أن يكون هازا عطفيه، مثله في الوغى المرتفعة بين السيوف اللامعة، وتعبير رشيق في مبناه، جميل في أسلوبه مع الإعجاب بحسن خلق عبد المؤمن، قبل الإعجاب بخلقه ورشاقة قده واعتدال مشيته قبل شجاعة قبله وثبات جأشه، وفوق هذا وذاك أليس قد دعاه بالخليفة؟ وهذه هي الأمنية الحلوة التي لطالما تمناها ملوك الإسلام وحلموا في منامهم حتى المضروب على أيديهم منهم، فيعدون الشرف الصميم والفخر العظيم والغاية التي لا قبلها ولا بعدها غاية أن يتمتعوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة، وواضعي أيديهم على رقاب ملايين البشر، لذلك فبعد المؤمن الناقد البصير يحق له أن يشير على السمعاني بالاقتصار من القصيدة على مطلعها هذا لأنه كما قال قد جمع كل شيء يمكن أن يقوله شاعر في ملك ذي صولة وبأس مثل عبد المؤمن

ولا ينسى له تاريخ الأدب العربي مساجلته الحلوة والعريقة في صلب الأدب الشاعر ـ مع وزير ابن عطية في احدى زقاق مراكش الجميلة التي نتركها لأدبائنا.

وهذا أبو يعقوب المنصور الموحدي وهو في ريعان الشباب وقد قرب من مصافحة العشرين ـ عند ما قام شاعر الموحدين يحي بن عبد الجليل بن مجير الفهري ينشد قصيدته اللامية بين يدي يوسف بن عبد المؤمن التي يقول فيها:

(إن خير الفتوح ما جاء عفوا مثل ما يخطب البليغ ارتجالا)

وكان أبو العباس الجراوي من شعراء الدولة ـ حاضرا فقطع عليه لحسادة وجدها معارضا إياه أمام الملك قائلا يا سيدنا اهتدم بيت وضاح القائل.

خير الشراب ما كان عفوا كأنه خطبة ارتجالا ـ رغبة في تبكيته ولكن سرعان ما التفت إليه الأمير الشاب يعقوب وهو يومئذ وزير أبيه قائلا: إن كان إهتدامه فقد استحقه لنقله من معنى خسيس ذميم إلى معنى شريف، فسر أبوه بجوابه وعجب الحاضرون وكفاه الشاب الصريح مئونة الدفاع عن موقفه (والقصة تعرض لها الشريف الغرناطي في شرحه لمقصورة حازم) والمقرى في النفخ، ومن شعر ابن جبير هذا يصف خيل المنصور من قصيدة في مدحه:

له حلبة الخيل العتاق كأنها

عرائس أغنتها الحجول على الحلى

نشاوى تهادت تطلب العزف والقصفا

فلم تبلغ خلخالا ولا التمست وقفا

ومن بين هذه القصة نستشرف على الروح الأدبي الذي كان العصر الناهض فأي مقياس يوجهنا للإيمان بالحركة الأدبية والتعمق في مذاهب الأدب ومناحيه الخصبة كمقياس النقد والبحث في القصيد والقطعة والمفرد، والتضييق بالكتاب، والشاعر فيما يعرض من أفكار وآراء وليدة أو مزورة وما ينتج حول ذلك من عراك فكري وتصادم فني، وقد يقوى هذا المعنى بين يدي الأمراء والملوك من أبناء القول ورجال البيان الذين لا تطاوعهم نفوسهم للسماح برؤية سواهم يبدو في حظيرة الفن وميدان القول بمظهر العلو والسبق في حلبة الأدب نثرا وشعرا ـ بيد أن هناك أوقاتا محظوظة يحضرها أدباء طبعوا على الصراحة والثقافي في الحق والعمل على إرجاعه لنصابه دون أن تأخذهم لومة لائم.

ولا أدل على هذا المعنى الكريم من موقف الأمير أبي يعقوب في وجه الجواري وإنقاذه ليحي الفهري شاعر الموحدين من هوة البغضاء الذي تلبس بها نده ومنافسه محاولا إسقاطه في غمرة لا نهوض له من داهيتها بعد، ولكن قوة الشباب الصريحة وشباب العشرين على ألخص الذي صح لأي إنسان أن يفتخر بلحظة من لحظات حياته فأجدر له يفتخر بأيام هذا العقد الرطيب المشبوب بحرارة الاندفاع نحو هدف الحق والصدع به ولو على دم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٥٤