معه حتى آلمه، فما بلغ البر إلا بعد جهد شديد ـ ففي اللحظة لم يشك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة، وإن الاثنين المذكورين ـ هما المهدي بن تومرت، وعبد الواحد الشرقي.
وتلك آية الله الكبرى في خلق الرجال، وتنشئ الأبطال الذين تساعدهم أوضاعهم العصامية ـ وجهادهم المتركز على مبادئ العمل الجدي وخدمة الصالح حتى بلغوا ذروة المجد، وقمة السؤدد، والخليفة عبد المؤمن عندما تربع على كرسي الخلافة قام برحلة تفقدية بأطراف المغرب ولما حل بمسقط رأسه لم يشعر إلا وإزاء فرسه عجوز تصيح قائلة: هكذا يعود الغريب إلى بلاده) مفاجأة فاخرة أهابت بالغافلين من مواطنيه للذكرى التي أعادها تاريخ ماجد معاصر (التاريخ يعيد نفسه) تاريخ قائد الحملة المغربية وبطل التحرير مولانا محمد الخامس نقول: (هكذا يعود المعبد عن عرشه إلى العراش).
ولنعد لنرى كلمة هذا العجوز الخالدة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على حيوية المرأة الأفريقية ووعيها في ذلكم العصر الذهبي الزاهر الذي حدثنا عن امرأة عجوز تحمل بين جنبيها هذه الفكرة الطيبة في قالبها المطبوع بأسلوب حي يهيب بالشباب الطامح للتكوين النفساني أو العصامي بتعبير أصح الشباب الناظر من بعيد إلى الحياة بعين يملؤها العمل المتواصل والسعي في جهد حميد إلى بلوغ الأهداف، ونيل الرغائب الشاملة والمطامح المشرفة ـ كهذا فكرت فتاة القرن الرابع عشر للهجرة ـ قرن العشرين وعصر الذرة وابتكار الصوارخ النونية وأعلى مما يتمخض عنه العصر من جديد المواليد الساخرة بماضي المصنوعات ومبتكرات الجهود الجبارة.
وأعزز علينا أن لا نفارق هذه العبارة العامرة والدالة في نفس الوقت على قدر امرأة عجوز استطاعت صوغها في قالب مثلي كأنها حكمة تسترعي الأنظار، وتجيل أفكار العلماء، والأدباء منهم في المقدمة لما ضمته كلماتها الست وحروفها الهمسية الهادئة من بيان وسمو يكاد أن يبلغان حد السحر ـ في عمق الاختصار وفحوى الحصر الذي لا يدع مجالا لرائحة الاشتراك في المدلول (على هذا الحال يؤوب المتغرب لوطنه) وهذا الأسلوب من امرأة مسنة قد يقف دون النسج على منواله فرسان البيان وائمة الكتاب، وتلكم صورة ناصعة حية في العالم النسوي تنطق بروعة الأدب وخصبة في العصر الموحدي الزاهي الزاهر.
ولا ينسى التاريخ الأمين ما لهذا الخليفة الموحدي من مواقف ومواقف كيوم نزوله جيل طارق الذي سماه هو جبل الفتح احتفالا ببيعة أهل الأندلس، فأقام به شهرا، وابتنى به قصورا فاخرة. ووفد عليه وجوه الأندلس للبيعة كأهل مالقة وغرناطة ورندة، وقرطبة واشبيلية ـ يوم عظيم اجتمع له فيه وجوه البلاد ورؤساؤهم وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله.
في هذا اليوم التاريخي استدعى الشعراء ولم يكن استدعاؤهم عادة له قبل، وإنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم فلما دخلوا كان أول من أنشد أبو عبد الله محمد بن حبوس الفاسي، وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة ابن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وايثار التقعير إلا أن ابن هانئ كان أجود منه طبعا، وأحلا مهيعا، قال ابن حبوس:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا
وبحسيه ان كان شيئا قابلا
وتعلمت أيامه أن تعدلا
وجد الهداية صورة فتشكلا
إنما أمثال هذه الحركات الحربية والمهرجانات الهادفة نحو الفتح وإعلاء منار الهدى ـ لما يبعث تفتح القرائح ويشجع على تكوين سوق نافقة للأدب المختار يتبارى فيها أبناء الأدب على اختلاف مشاربهم الثقافية والفكرية بل حتى الذين لا يأنسون من أنفسهم القدرة على الكتابة وقرض الشعر يستطيعون بذكائهم الفطري أن يزاحموا في نفاق هذه السوق الفكرية بما ينشقونه من عبير مسكها الندى التي لا تعتم أن تدر على أفكارهم قبسا من نسماتها واطيابها فاتحة أمامهم آفاق القول على مصارعيه، فيقولوا عن ولع وهوية في شتى أفانينه ما يكون منهم شعراء وكتابا يعتز بهم الوطن وتباهي بهم الشعوب الأخرى، وتنصب لهم المنابر في ءاتي الأيام لينشدوا على الشعوب من أعلاها ما يفتح القلوب ويفتق الأذهان ويبصر الأمة بما هي في أمس الحاجة الملحة إليه رغبة في مواجهة ما تمكن أن يعرو البلاد من مفاجأة ومؤتمرات قد تصمد لها دون أن تكون قد أعدت العدة ورسمت الخطط لأبنائها استعدادا للطوارئ وتقديرا للظروف وأيامها الحبالى التي لا تستقر على حال.
ولكنهم باتوا ولم أدر بغته وأعظم شيء حين يفجاك البغث