إلى الأهداف الشريفة الرامي لتهييء هوج الرواحل آمرا أصحابها بسوق صواهلها الجرد وسباقيها إلى حومة الوغى، وساحة الهيجاء، طلبا في نصرة الدين وإعلاء كلمته العليا بقوة مائرة وشدة صائلة على الأعداء دون أن يعلوهم فتور أو يحيط بهم توان.
فما نبل المعالي بالتواني ولكن بالعزيمة و النضال
هكذا نرى نفوس المغاربة الأحرار وإيمانهم الصادق، وتفانيهم الكامل في إصلاح البلاد والدفاع عن ثغورها لإقامة دين السماء الحنيف، وإثبات مبادئه في القلوب المؤمنة سواء في ذلك الشعب وأمراؤه وإبطاله ـ وزعماؤه ـ أمة عزيزة فطرت على العزة والكرامة، وجلبت على أباء الضيم ومقاومة المناوىء، وأجدر بخليفة من خلفاء الإسلام في تخليد بيتين يتيمين للأجيال الآتية ـ أن يكون في مقدمة أبطال هذا التراب العزيز الذي تدين إمبراطوريته السعيدة إلى جهاده الظافر قال لو إنشادا:
حكم السيف لا تعبأ بعاقبة
فما تنال بغير السيف منزلة
وخلها سيرة تبقى على الحقب
ولا ترد صدور الخيل بالكتب
وقد رأى البيتين على ظهر الحماسة ـ أبو بكر يحي بن أبي يعقوب بن عبد المومن بخط الخليفة عبد المومن نفسه قال لا أدري هما له أو لغيره ـ وبقطع النظر عن الإنشاء أو الإنشاد فهما بيتان عاليان تشع روح الرجولة من بين أعارضيهما وأضربهما البسيطة حيث تناسق الكلمات، وخلود المعاني التي تسمح للقارئ أن يستوحي منهما عبقرية الرجال وما تنطوي عليه صدورها الفولاذية من صمود الحق وصدع به سبيل تخليد المجد والسؤدد مدى الدهر، يقينا منهم أن المنازل الرفيعة والدرجات العليا لا تدرك بغير القوة ولا تنال بغير المهند، كما أنهم بدينون بأن صدور الخيول لا ترد بالكتب والرسائل، ومذاهب الأفلام وأفاتيها، وهذا المدلول كما نرى هو ما طرقه أبو تمام في بائيته إذ قال:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد و اللعب
والكلمة المأثورة اليوم ـ إن الحق على أفواه المدافع.
فماذا كان موقف العرب أمام استنفار الخليفة عبد المؤمن اياهم ايجابيا أم سلبيا؟ كان أنه لم يلبث عدد كبير من أبنائهم يبلغ نحو خمسة آلاف فارس سوى الرجالة ـ ان استجاب له ـ كزغبة ورياح وجشم بن بكر وغيرهم.
ومن لا يستجيب لذلك النداء الحار المتفجر عن إيمان وإخلاص أرسلهما خليفة من خلفاء الإسلام، وبطل من أبطاله الخالدين كقنبرة دوت هدايتها في قلوبهم المؤمنة بالعزة والكرامة فانيروا مسرعين نحو الشهادة والسعادة لا يقف أمامهم فرق أو جبن يصرفانهم عما خلقوا له من مقاومة وكفاح.
ولا يفوتنا أن نذكر هنا تلك المأثرة المملوءة إيمانا المنقبة الفاخرة التي كان هذا الخليفة العظيم يفيض بأمثالها عزا ونبلا ومصابرة يعلو الكل مسحة الدين وتضفي عليه حلة التقوى نورا من قبس الخلود.
ذلك ـ إن الخليفة عبد المؤمن لما نزل مدينة سلا سنة 538 هـ. عند عودته إلى مراكش ـ عبر نهر أبي رقراق ـ أو وادي الرمان ـ أو نهر الحجارة ـ كما هي الاطلاقات الواردة تاريخيا في اسمه الجميل الذي قامت على ضفافه أواخر عهد السعديين ـ الجمهوريات المعروفة ـ بالجمهوريات الثلاث على وادي أبي رقراق وقد تعرض لذكرها ـ المؤرخ الفرنسي دوكستر بالجزء الثالث من كتابه ـ أصول التاريخ الواقع في نحو 18 مجلدا.
بهذا الوادي التاريخي الرطيب ـ ضربت للخليفة الموحدي خيمة على الشاطئ، وجعلت العساكر تعبر بين يديه قبيلة قبيلة، فلما نظر إلى كثرتها وحسن نظامها خر ساجدا شكرا لله، ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته قائلا لدائرته وكل من أحاط به:
(أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة ليس لديهم ما يقتاتون به إلا رغيف واحد ـ فراموا عبور هذا النهر ـ فتقدموا لتوتي ـ بحار ـ صاحب قارب، وبذلوا له الرغيف على ان يعيروا ثلاثتهم فقال: لا أخذه إلا عن اثنين خاصة فقال له أحدهم وكان شابا جلدا: خذا ثيابي معكما وأعبر أنا سباحة فأخذا ثيابي معهما وصعدا القارب فجعل الشاب يسبح، فلما أعيا دنا من الزورق، ووضع يديه عليه ليستريح، ولكن صاحبه كان لا يتورع عن ضربه بالمجذاف الذي