فالأبيات وإن لم تكن عليها حلة من الأدب العالي حيث في مستوى مكرور الألفاظ في العادة إزاء اضطراب في التناسب قد يمجها حتى متوسطو الأدباء فإن فحواها ليشفع لانحلالها المادي ويجعلها تهدي الغافلين لسلوك محجتها الأوسع أفقا في التكوين والخروج بالشباب اليقظ عن الانعزالية القاصمة حيث الحركة والتفاعل الخلاقان ـ فهذا موسى نبي الله عليه السلام عندما أحس بالحاجة الملحة لمزيد العلم عمل على صحبة الخضر لاكتساب علوم تكفل الكتاب الكريم بعرض قصتها أثناء سورة الكهف ـ وإن عارض القاضي عياض السبتي هذا المدلول بقطعة تناقضها على طول الخط إذ قال:
تقعد عن الأسفار ان كنت طالبا نجاة ففي الأسفار سبع عوائق
وعددها في معارضته محيلا فكرة التنقل في البلاد على ما تقادم من عهود، وسلف من زمن، فلا يؤبه لمعارضته لاسيما وهو نفسه ما كانت له المكانة المرموقة، وصار له في عالم الثقافة نصيب المجلي وبلغ قمة العالمية الصحيحة في المعارف إلا بطلب العلم ومن مناهله البعيدة التي ضرب لها أكباد الإبل وشق السبل الوعرة للصول إليها، شيء طبيعي حث عليه الرسول الأكرم صلوات الله عليه وأئمة الإسلام بعد، والأدباء الذين كان من بينهم صاحب الأبيات أو جبل.
والأبيات وإن جاءت على صورة لا تحرك الأقلام للنسيج على شكلها فهي إلى الاستيناس أمس منها بالاحتذاء والتقليد إنما إلى يكفي أن يوجد رجل من أمثاله ينتحل القطعة والقطعتين لبعث النفوس الحرة والأهابة للرحلة قصد التثقيف واكتساب العز والسؤدد ـ
(إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب)
ومن مضمون المعنى الكريم والفحوى العالي الذي يعد في مقدمة ما تجود به الرحلة على أعزاء النفوس ما نظمه العالم ابن تاخميست في قوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته
وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى
وأوصاله تحت التواب رميم
بعد من الأحياء وهو عديم
وهكذا نرى هذا الصوفي يسمو محلقا في هذا الجو العلمي المشبع بروح الخلود، معبرا عن كل من ساعدته الأقدار بالحاجة المحلة لاكمال نفسه، وإتمام انسانية فارتوى من معين العلوم والمعارف وغدا مستنير الفكر مشرق القلب حيا حياة لا تلبث تضفي عليه حلة الخلود ومسحة السعادة الأبدية عكس الجاهل الميت معنى، وإن دب بين أبناء جنسه، أنه لمعنى سام لا تجده يمر في الوسط المغربي مرا دون أم يكون له أثره الفعال في تكييف نفوس الشباب للمكارم، والطامح للفضيلة بمعناها الكامل، وعلى هذا الوتر الحنين عزف سابق البربري في وقوله:
العلم فيه حياة للقلوب كما
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه
تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
كما يجلى سواد الظلمة القمر
يسوغ سابق البربري قافيته على هذا المهيع، المطروق وما هي منه فيما يبدو سوى تجربة حاولها داخل هذا الإطار العلمي المحبب للنفوس بما يحمله من تحريك للهمم وإيقاظ للشعور وبعث لميت القلوب نحو الحياة الدائمة، وقد كان لهذه الحركات رغم ضئالتها فعالية منتجة في الحقل الأدبي حيث لم ينفك أبناء المغرب الأشاوش في نمو الوعي وتقوية الشاعرية، وموالاة الوثبات الفنية في القول وأساليبه، حتى كان لهم في شتى أفانينه خصوصا الحماس واستنهاض الشعوب للنفار دفاعا عن الحوزة وصيانة التراب وحفظ الكيان ـ ما عز مثيله في غيرهم من أمم الأرض ـ ومن هذا المعنى القوي الشجاع يقول عبد المومن بن علي اثر رسالة استنفر العرب فيها من بني هلال إلى الغزو رغبة في إغاثة مسلمي الأندلس ونشلهم من براكن قساة الأسبان، الداء الإسلام والمسلين.
اقيموا إلى العلياء هوج الرواحل
وقوموا لنصر الدين قومة ثائر
وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل
وشدوا على الأعداء شدة صائل
إلى أن يقول:
فيلا تتوالوا فالبدار عنيمة وللمدلج الساري صفاء المناهل
فها نحن نرى من بين أشطار هذا القصيد ـ صرامة الخليفة الموحدي، وقوة توجيهه العرب الأبطال