تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 37

اللغة العربية في المغرب

للأستاذ: عبد الله الجراري

- 2 -

إذا تعمقنا في أدب هذه الفترات المغربية الأولى قد لا نجد أمنيتنا الغالية من الناحية الأدبية حيث أن لحظاتها كانت لحظات اشتغل فيها رجال الإصلاح بنشر الدعوة الإسلامية وبث روحها في الوسط البربري الذي كانت غايته الشريفة آن ذاك تتنسم أريج الحرية الإسلامية والانطلاق الإنساني في مسارح الرسالة الخالدة والتعرف على مقاصدها الصالحة لحياتهم الاجتماعية دون أن تحدثهم نفوسهم الأبية بخوض غمار الأدب وفنونه في المستوى العالي ـ لذا نجد تلك الفترات هزيلة في هذه النواحي الرقيقة رغم ما لها من محامد طيبة على سائر الثقافات إن لم تكن في مقدمتها. ولكن المحور البربري المصافح للدين الجديد والمعتنق لتعاليمه الرشيدة أبي على كتله المؤمنة إن تفكر في سوى ما يدنيها من الخالق جلت عظمته في اتجاه وجد روحهما الإخلاص لرب العزة، وأعان على هذه الظاهرة فقدان نظام دراسي يحيط تلك الثقافات بهالة من الترتيبات تتسع لوضعها الحركات الفكرية في مقام يتفق وذهنية المغربي الواعي بفطرته، والقدير بذكائه على التطور السريع لو يجد مرتعا للتوجيه يسعفه على إبراز العبقرية من نفسه الوثابة.

نعم إذا ما تخطينا هذه الفترات وغامرنا في البحث من أعلى شرفات الفن تشع علينا بدون شك أنوار القرن الخامس ومسايرة فنونه بالرغم من سيطرة فقهاء الدولة وعرقلة الحركات الفلسفية والعقلية وما يمت إليهما بسبب كالآداب الحية النيرة.

فإن غلاة الفقه الإسلامي ورجال تحكيم جزئياته الضيقة في الأوساط الشعبية المغربية الذين كانوا يقفون حجر عثرة ضد كل تفكير حر يسمو بأبناء البلاد للترفع عن أجواء التقليد وعدم الرضى برسوم سطحية بقضي فيها على معتوية الناشئين من أبناء المغرب ـ فهذا كتاب ـ أحياء علوم الدين للغزالي وقتما ظهر بالمغرب قامت دولة الفقهاء في عهد لمتونة بمقاومته وتوعد كل من خاض من مناحيه الأربعة وتعاطي قراءته ودراسته وهو قدر يكفي للاستدلال على انكماش الفقهاء لذلكم العهد البعيد على معلوماتهم الجافة وعدم اتساع عقليتهم لاشعاعها الفلسفي بكل ما يحمله من آيات وأسرار لا يخلو منها كتاب الأحياء المشبع بنور التشريع الحي وفلسفته المشرقة التي لا تعتم تنير السبيل لقرائه وتساعد المغربي المؤمن ليسير بخطى ثابتة في محجة بيضاء نقية.

تراه يمني من جانب تلك الفئة المتفقهة وطوائفها الأضيق تفكيرا في تعاليم الإسلام ـ بالحرق والإبادة (على ما نقله المراكشي في المعجب).

وتلك جناية كبرى تصاب بها معلمة من معلمات التشريع الإسلامي قصد إخماد مشعلها الوضاء في مهده الباكر.

ومع هذا فلم تعدم الحركة الفكرية عباقرة من أبناء المغرب طبعوا على محبة الفن وقوله ولو في دوائر ضيقة كانت لهم فيها جولات أدبية في الأبيات والقطع يهيبون فيها أحيانا بالشباب ودولته لركوب متن البسيطة رغبة في تكسب العلم وتهذيب النفس وتحريرها من نير الفقر الفكري وعقم الرأي بألفاظ وتحريرها من نير الفقر الفكري وعقم الرأي بألفاظ جوفاء أكل الدهر عليها وشرب لا تكاد تحرك قلبا ولا توقظ ضميرا ـ ومن هذا الرعيل الحسي في إطاره ـ الشيخ أبو جبل يعلى دفين باب بصليتن من فاس المتوفى سنة 503 هجرية قال في الحث على السفر:

سافر لتكسب في الأسفار فائدة

ولا تقم بمكان لا تصيب به

فإن موسى كليم الله أوعزه

فرب فائدة تلقي مع السفر

نصحا ولا كنت بين الظل والشجر

علم تكسبه في صحبة الخضر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٥٠