تمطيطهما كثيرا، فتأثيرهما على كل من العرب والبربر يبقى تأثيرا خارجيا سطحيا، كما لا يمكن الزج بهما في بحوث جنسية، فما لوحظ من التشابه الجسماني بين العنصرين ليس لأثنى عشر قرنا الأخيرة على ما رافقها من زواج وتساكن، وليس للتوسع القرطاجي والحضارة البونيقية أية يد فيه، فهو قديم قدم العرب والبربر وأصيل ثابت راسخ ...
أما المؤامرة الثانية على تاريخنا فهي الدور الكبير الذي اسند إلى الحضارة البونقية.
فلقد استغرب جميع مؤرخي واجتماعيي الغرب (وفي مقدمتهم كوتيه ورونان) من السرعة التي تلقف بها البربر حضارة العرب المسلمين، ولم يلبثوا ـ كعادتهم ـ إن وجدوا (خاتم سليمان) والحلقة المفقودة فيما دعوه بالحضارة البونيقية حتى يبعدوا الأذهان عن أية رابطة قديمة بين البربر والعرب، وحتى لا يبتعدوا كثيرا عن المنطق والمعقول .. ولكن ..
يحدثنا التاريخ أن القرطاجنيين ـ كالفنيقيين ـ كانوا أناس تجارة ومال، فلازموا السواحل المغربية وبتوا فيها «مستعمرات تجارية» ولم يحتكوا بالسكان على نطاق واسع كما فعل الرومان مثلا، وقد جاء في كتابات كزبيل كما نقلها الكاتب «إن قرطاجة لم تبذل جهودا منظمة لإدماج المغرب ولم يستعمر البادية المغربية مثل روما .. » فكيف تمكن (الدم) القرطاجي من الامتزاج بالدم البربري إذا؟ ولماذا احتفظ البربر بعادات القرطاجيين (التي ذكرها الكاتب) حتى بعد انقراض أمرهم، بينما لفظوا بقية العادات وزهدوا فيها؟ ولماذا أسس القرطاجيون دولتهم في تونس ولم يؤسسوها في انجلترا مثلا على الرغم من أن هذه الأخيرة أشد بعدا عن الخطر الفنيقي الجاثم في ساحل لبنان؟ ثم كيف نصدق ما قاله (بروكوب) من أن البادية المغربية كانت تتكلم اللغة البونقيقة مع العلم بأن القرطاجيين ولم ينفذوا إليها ولم يعرفوها؟.
إن المخرج الوحيد من هذه الحيثيات هي التسليم مبدئيا بأن القرطاجيين الذين قدموا المغرب قي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، والبربر الذين نزحوا إليه في القرن السادس عشر قبل الميلاد، هم من لحمة واحدة وأرومة مشتركة.
وأما بعد ....
فمن كل ذلك تظهر أهمية وضرورة إعادة كتابة تاريخ المغرب بروح جديدة تصدر عن حق وتنبع من الكيان القومي، وأحرى بالأستاذ ابن عبد الله أن يسبق غيره ـ وقد فعل ـ إلى ذلك لبواعث كثيرة، ولكن ليسمح لي أن أطلب أن يكون سيء الظن قليلا بما يقرأ وأقل اطمئنانا إلى ما يكتب، فاعتبار المولى إدريس مثلا فاتحا أجنبيا تشبيها له بالقواد الرومان والوندال، أو التحدث عن (لعرف والشرع) كشيء مقرر وضعي يلبي رغبة أرادبة عند سكان المغرب أو إقرار المؤرخين الغربيين على زعمهم بأن الفقه المالكي ينتشر في نصف المغرب العربي فقط وأنه لم يقع مطلقا أي «صراع» بين الفقه المالكي والعرف ... كل هذه الأشياء وغيرها لا يمكن أن يقبلها كاتب مؤرخ عربي كالأستاذ ابن عبد الله ...
وأظن أن الأستاذ قد اقتنع بعض الاقتناع بأن الوحدة المغربية يجب أن نفتش عليها في مجال غير المجال الجنسي أو الفكري، بل عناصر جغرافية إقليمية، فكما أن هناك فروقا محلية بين الشام ومصر وبين العراق واليمن، فإن هاتيك الفروق توجد أيضا بين الوحدات الإقليمية المذكورة وبين المغرب العربي.
فبلادنا المغربية الكبيرة تمتاز بموقع هام ومناظر جغرافية وظروف اجتماعية خاصة إلى حد ما. وإن الوحدة المغربية تتطلبها اليوم ظروف مستعجلة واحتجاجات طارئة أكثر مما تدعو إليها مقومات أصلية أو نداء قومي، ويجب أن نشبه الدور الذي سيلعبه المغرب العربي بالآلة الموسيقية التي يجب أن تعزف مع الآلات الأخرى (سانفونية الوجوه العربي).
وما أحب إلى نفسي أن أختم هذا التعقيب بفقرة من بحث الأستاذ ابن عبد الله تنم عن روح وثابة وذهنية موضوعية: «وهذه الوحدة الخاصة التي تجعل من المغرب العربي وصحرائه كتلة من جميع الوجوه، لا تتنافى مع الوحدة العامة التي تربط المغرب بالعالم العربي، والتي تتجلى مظاهرها في وحدة اللغة والدين والعواطف وكذلك التاريخ».