تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإقليمي، لأن البربر كما رأينا يمتون بصلات الدم لبني العرب الجدد، فهم (طائفة من السكان) لا جنسا منفصلا، والعزلة ـ كما رأينا ـ هي التي شقت عندهم طريقا غير الطريق الذي تطورت فيه اللغة العرب في الجزيرة العربية والهلال الخصيب ومصر، واستنادا إلى ما أورده جميع مؤرخي العرب ولم يستطيع زملاؤهم الأوروبيين أن يقيموا دليلا موضوعيا على عكسه: يجب أن تكون اللغة البربرية هي مظهر متطور للحرية القديمة وفق نسق خاص، وبالفعل وجدت إثباتات كثيرة على التشابه الأكيد الموجود بين اللغة البربرية (وخاصة التاشلحيت) وبين لغة إقليم «مهرة» في غرب سلطنة مسقط، وبينها وبين كل من لهجة النوبيسي (الأقباط) في جنوب مصر ولغة الحبشة (الآمهرية)، وقد اقر بذلك التشابه كوتي نفسه حين لمس تقاربا عجيبا بين لهجتي لواتة والأقباط، كما أكد آخرون وجود تشابه جوهري في هذا المجال بين صنهاجة وكتامة من جهة وحمير من جهة أخرى.

هذا من جهة اللغة أما العادات والتقاليد فعلى تباعد الزمن والانفصال في التطور الاجتماعي، فإن عوائد البربر يوجد ما يقابلها عند سكان حضر موت ومهرة، من ذلك حلاقة الرأس مع ترك ظفيرة (فرن) أو قطع غير حليقة (عرف) والاعتمام بالعمامة الداكنة المفتولة ولبس القصير من الثياب وتقلد الخنجر القصير المعقوف، والعناية بكسوة الفسرس وسكنى بيوت القش أو بناء بيوت حجرية ذات طوابع متعددة ونوافذ بيضاء (القصور (والإكثار من البهار في الطعام والتعلق بشرب القهوة (في الجزائر خاصة) وامتهان التجارة، وحب التنقل والسفر، والتضامن، وحب المال، والاعتقاد بالغيبيات والسحر والأرواح، ويتجلى التماثل أيضا في المظاهر الاجتماعية الخارجية كالرقص والغناء وألعاب الفروسية والاحتفال بالزواج والموت والحصاد والأمطار .. إلخ.

مؤامرتان أخريان على التاريخ المغربي:

أن تفكيك عرى حضارة ما عزل أواصرها، والتأكيد على بعض عناصرها دون الأخرى، هو أكبر مؤامرة عليها، وإذا زوال بعض المؤرخين ذلك، فهم معذورون كثيرا لأنه قد أفزعهم حقا وجود تاريخ عربي متناسق الفصول متجاوب الأحداث منذ الهند حتى المحيط الأطلسي، فحملوا الأقلام وكتبوا تاريخا عجيبا تحف به الموضوعية الصنعية والأمانة الكاذبة.

ولعل من حق مؤرخي المغرب أو من واجبهم أن يتساءلوا لماذا يلح زملاؤهم الغربيون على إفراغ مكان بارز للأدوار السياسية التي لعبها البربر في المغرب الإسلامي وفي مقدمتهم طيراس؟ أو على الأخص لماذا يميزون تاريخين للمغرب المسلم لا تاريخيا واحدا؟ ولماذا هدت قريحة بعض «المؤرخين» إلى إخراج دراسات عن «سوريا» تتحدث عن «الحكم الحجازي في الشام» وعن تأثر بلاد فارس والهند بالحضارة العراقية (أي العباسية) وعن تأثر بني زيري في المغرب بالطابع العراقي في البناء والفارسي في زخرفة الأواني (كما نقل الكاتب عن بيلي)؟ ولماذا يلح طيراس بأن تاريخ الحديث الحقيقي يبتدئ مع النهضة البربرية في العهد المرابطي والموحدي وأن أمغار الكومي (أي عبد المؤمن) هو أول رجل وحد المغرب تحت سلطة سياسية مركزية؟.

وعليه فإني في هذا المجال أؤيد بحرارة الأستاذ عبد الكريم غلاب في دعوته كاتبنا المحترم إلى الهرب قليلا من بين سطور المراجع، وأزيد بأن ذلك ضروري لتنظيف تاريخيا من انحرافات جوهرية لا تخدمه بل تسيء إليه، وأظن أن الكاتب لو فعل ذلك لكان كفى نفسه مؤونة إيراد هذه الفترة في بحثه على سبيل الاعتذار «وقد يلاحظ أنني لم أميز في بحثي هذا بين العرب والبربر، وقد فعلت ذلك عن قصد لأن هذا الميز يكاد يكون غير موجود سواء اعتبرنا الأرومة العربية تبعا لرأي كثير من علماء النسب أو اعتبارنا الوحدة الطارئة أثر التوالد والامتزاج بين «الجنسين» أو مظاهر الوحدة الاجتماعية والفكرية أو غير ذلك» ولكن هل سيلاحظ القارئ، أم الكاتب لم يفرق بالفعل بين العرب والبربر؟ الجواب باختصار: كلا. فهو قد «استعرض من خلال قبائل زناتة (!) الدور الذي قامت به العوامل السلالية في تكوين المغرب العربي» ثم انتقل إلى تبسيط الكلام عن «البتر» الذين لعبوا دورا هاما في بداية تاريخ المغرب العربي» و «الذين اتسموا بأهمية كبرى في توجيه التاريخ» حيث «صار الحكم في المغرب العربي إلى البربر المسلمين طوال عدة قرون» .. وبعد أن ينتهي من تفصيل الدور الذي اضطلعت به مختلف الأفخاذ البربرية يورد اعتذاره السابق ثم ينتقل إلى التحدث عن العرب على حدة، وينساق مع مؤرخي الغرب فيخص الأعراب الهلاليين وعرب الأندلس بموفور اهتمامه.

وأعتقد من جهة أخرى أن (الوحدة الطارئة) و (الوحدة الاجتماعية) الواردتين في البحث لا يمكن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٤٨