تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى أقوام أوربية معينة، وأن هذه الصعوبات طحت بهم إلى افتراض وجود (فصائل) بشرية أروبية انقرضت الآن تماما وتوجد بعض هياكلها في المتاحف. وأولى هذه الافتراضات هي أن أقدام سكان المغرب الذين عاشوا في العصر «الشيلي Chlléen» هم من فصيلة إنسان نئاندرتال الأوروبي، ثم جاءت أجناس أخرى في العصر (الموسيتري: Mustirien ).

وإذا ناقشنا هذه الفريضة نجد أن بعض القرائن الفيزيولوجية هي التي دفعت بهما إلى تقرير تلك النسبة، ولكن لماذا لا تنقلب الآية وتكون تلك الشعوب الأوروبية القديمة هي التي تزودت من المغرب بالبشر؟.

ويستمر العالمان في دراستهما، فيفترضان مرة أخرى أن الأجناس التي عاشت في المغرب بعد ذلك كانت ذات بشرة سوداء وشفاه غليظة وهيكل ثقيل ومنخرين عريضين وذكاء محدود، وقد وجدوا (!) إن بعض هذه الصفات اتصف بها إنسان (غاريمالدي) الذي عاش في جنوب أوربا منذ عشرة آلاف سنة.

وربما يجد القاري صعوبة شديدة في التسليم بهذه الفرضية، خاصة وأن العالمين يقرران أن هذه المجموعة البشرية الأخيرة قدمت للمغرب من أوروبا، وكيف يمكن هضم ذلك ما لم نفترض ـ من جهتنا ـ إن خط الاستواء كان يمر آنذاك من باريس (!).

ثم يلتمس العالمان تدعيما ثالثا انطوت عليه نفساهما، فيسلمان ـ بدون مقدمات ـ بأن الموجة الليبية (اللوبية) التي اجتاحت أوربا والمغرب في عام 1500 ق م، والتي تتميز بصفات كردية شرقية أثرت في خصائص الجنس البربري، قد قدمت للمغرب أيضا عن طريق جبل طارق.

وإذا عرفنا أن دولا راقية كانت تعيش في اليمن في ذلك الوقت بالذات وتبسط سلطانها على إفريقيا الشرقية حتى بحيرة تشاد، وإن هجرات معروفة في التاريخ كانت تغادر اليمن الأقوام اللوبية وطرق انتقالهم غير معروفين لدى الباحثين الأوروبيين أنفسهم، وإن الخصائص الشرقية لا يمكن تجاهلها عند تلك الأقوام، وإن آثارها بارزة في برابرة المغرب قاطبة، وإن حضارة القرطاجنيين الشرقيين (البونيقية) قد انتشرت بسرعة عجيبة بعد قدوم اللوبيين بثلاثة قرون فقط (من 12 ق م) لتبقى ألف عام كامل على الرغم مما هددها من عوامل الفناء ... وإذا غرفنا كل ذلك نكون قد وجدنا تأييدا علميا حقيقيا لما أورده ابن خلدون وقبله البكري والمسعودي ...

وأنه لمما يدل على مبلغ الاستهانة بروح الدقة والحقيقة في البحث، إن العالمين الفرنسيين اللذين تأثر بهما جميع الجغرافيين الذين كتبوا في موضوع البربر، قد حاولا أن يجدا مخرجا (معينا)، فساقا نتيجة نهائيا جامعة لبحثهما المستفيض، لم تطابق فيه المعطيات المقدمات كما يقول علماء الكلام، وإني أترك هذه النتيجة للقارئ ليكتشف بنفسه الأغراض المقصود الذي كان رائدا جميع المؤرخين الذين كتبوا تاريخيا في حقب متأخرة:

فقد توصل العالمان (بقدرة قادر) إلى أن البربر في المغرب جنس خاص منفصل، ولا شك في أرومته الأوروبية الشمالية، ويمكن أن يقسم بصفة عامة إلى نوعين:

النوع الأول: (المتحدر من الشعوب الاسكندنافيه!) ويضم ذوي الجماجم المستطيلة Dolichocéphale) والقامة المتوسطة (160) والشعر الأسود (!) والأنف المتوسط الحجم الذي ليس بالمفلطح ولا بالدقيق المنخرين، ويدخل في هذا النوع ذوو الجماجم الطويلة والقامة القصيرة والشعر الأشقر والأنف الصغير المنخرين.

النوع الثاني: (المنحدر من العائلة الكردية والقادم من آسيا الغربية عن طريق أوروبا!) يمتاز بالجماجم المستديرة Brachycéphale والقامة القصيرة والمنخرين الصغيرين.

أما كيف اخترع العالمان هذه القياسات الكثيرة رغم أن تحرياتها تناولت قرائن ثانوية فقط، وكيف أمكن للرجل الاسكندنافي أن يكون أسود الشعر قصير القامة، وكيف فعلم ذلك عند الله وعند العالمين المذكورين وعند الجنرال بوجووجول فيري والماريشال ليوطي ...

وبعد فإذا كان البرابرة الذين يتكلمون لغة خاصة بهم لا يوجدون إلا في هذه البلاد، فإن ذلك لا يمكن أن يحسب خاصة مميزة لها ومدعاة لاستقلالها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٤٧