وهكذا فإن وحدة الطبيعة في المغرب وتماثل مظاهر المختلفة، والإنفراد بموقع ممتاز، التي يمكن أن تحمل على التسليم بوجود شخصية إقليمية له بالنسبة لبقية الوحدات الإقليمية في بلاد العرب، وما من شك في أن هذه الشخصية الإقليمية نفسها أوجدت انفصالا ظاهريا في التطور التاريخي، ولكن هذا الانفصال لم يكن في وقت من الأوقات تاما أو نهائيا فمنهما تكن الفواصل بين المشرق والمغرب قوية ومانعة، تبقى دون قوة ومناعة مثيلاتها بين المغرب وأوروبا أو بينه وبين الصحراء.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا لنرى هل يمكن اعتبار هذه الظروف التاريخية عنصرا في وحدة بلادنا وذاتيتها تبقى دون قوة ومناعة مثيلاتها بين الغرب أوروبا أو بينه وبين الصحراء.
«العنصر» البربري بين مؤرخي العرب ومؤخرتي أوروبا: يجب أن ندرك أولا أن شواهد تاريخية لا ينطرق إليها الضعف، وإن الدراسات الغربية نفسها تقوم مؤيدة لفكرة أعمار المغرب من الشرق لا من جهة أخرى.
يقول ابن خلدون في الجزء السادس من تاريخه: «إن إفريقش قيس بن صفي من ملوك التابعة، لما غزا المغرب وإفريقيا، وقف الملك جرجيس وبنى المدن والأمصار باسمه، ولما رأى هذا الجيل من الأعاجم وسمع رطانتهم ووعى اختلافها وتنوعها، عجب من ذلك وقال ما أكثر بربتكم، فسموا بالبربر، والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة ومنه يقال: بربر الأسد إذا زار بأصوات غير مفهومة».
وينقل ابن خلدون كثيرا من الروايات عمن سبقوه من أشاهير المؤرخين كالبكري والمسعودي والطبري،
بل تحديد طرق انتقالهم ومراحل هذا الانتقال وفي أية ظروف سياسية تاريخية حدث ذلك.
وإن أقدم الروايات تعلل عبور البربر بالرغبة في «أعمار» هذه البلاد الفنية، فقد جاءت قبائل بقضها وقضيضها من اليمن مباشرة عن طريق القرن الإفريقي ودلتا النيل، أو من اليمن بعد أن عرجت على الشام وبلاد فلسطين ومصر، ولم يرد في أي كتاب قديم أو أية رواية قديمة ما يشير إلى غرب إفريقيا، فقد حمى البحر الأبيض المتوسط هذه البلاد من الهجرات الشمالية، كما قامت الصحراء عقبة في طريق أي تدفيق بشري من الجنوب، والطريق الطبيعي لأعمار المغرب هو المشرق عبر مصر ومضيق بيسكرة وتازة، وليس في الشرق منبع أقرب من الجزيرة العربية التي يطفح تاريخها بهجرات متواترة، فمصر استقبلت هجرة الهكسوس (الشاسو) من الشرق والذين اجتذبتهم دلتا النيل الخصيبة، وان سيماء وملابس بعض الأسر من بين هؤلاء تشبه تماما سماء وملابس البربر الحاليين، ثم إن جميع الغزوات البشرية التي انهالت على مصر وشرق إفريقيا كانت تطرد نحو الغرب، وهناك صورة ترجع إلى الأسرة المصرية الأولى 3400 ق م) تمثل الفرعون (سن) وهو يستعرض النازحين عبر برزخ السويس ووجوههم متجهة نحو النيل، كما توجد لوحة أخرى تمثل الفرعون (أحمس) وترجع إلى عام 1580 ق م، في وضعية مماثلة للوضعية الأولى.
ويعتبر القرن التاسع عشر حاسما في قلب الروح التي سادت الدراسات المعنية بهذا الموضوع، فقد ظهر كتاب ومؤرخون وعلماء اندفعوا في دراسات أرادوا بها أن تخدم أغراضا معينة أكثر مما تخدم العلم، وفي مقدمة هؤلاء العالمان شانتر Chatre وبرتلون Berthelon اللذان قاما بدراسات لسكان الأطلس والقبائل في الجزائر وسكان جنوب تونس وهضبة الخمير، فقاسا الجماجم والدقون والأنوف، ولاحظا طول القامة وشكل الشعور ونوع العقلية، ولم يستطيعا أن يصلا إلى تقرير شيء وموافق للواقع في موضوع تبعية سكان المغرب الأقدمين لأجناس تعيش في شمال البحر الأبيض المتوسط.
وأولى المبادئ التي انتهيا إليها أن الصفات المميزة للجنس البربري هي: «أنف مفلطح ووجه مستقيم واختلاف كبير في الأشكال». وحسب القواعد الانتروبولوجية لا يمكن اتخاذ هذه القياسات كتحديد لجنس ما، بل أن صفة الشعور والقامة وطول الجماجم هي القرائن المحددة والعازلة.
إن ذلك يدل ـ مبدئيا ـ على ما صادفاه غيرهم من الصعوبات في إثبات نسبة البربر