فالأطلس العالي يمتد من رأس «غير» إلى رأس الطيب بتونس، وإذا اختلفت أسماؤه محليا من الأطلس الكبير في المغرب إلى الأطلس الصحراوي في الجزائر إلى الضهرة في تونس، فهو يضم جبالا من عمر واحد وخصائص متماثلة ويقوم في مجموعة بنفس الدور الجغرافي المناخي، يمنع الرياح الحارة القادمة من الجنوب، ويكثف الرياح الماطرة القادمة من الشمال ويسمح في كل مكان بقيام حياة على نمط واحد على سفحيه.
وتتراكب الجبال مرة أخرى في شمال بلاد المغرب من رأس سبرطل حتى الرأس ألأبيض بتونس، وتأخذ تسميات كثيرة (الريف، الضهرة، الخميرة ... ) ولكنها تمثل مرة أخرى أدوارا متشابهة تطبع المحيط الجغرافي بطابع متناسق.
أما الهضاب والسهول فهي تنحصر بين الجبال أو بين هذه وبين البحر، وإذا اختلفت في اتساعها من الشرق إلى الغرب فهي أوسع سهول بلاد العرب المنتجة وأغناها وأكثفها بالسكان، وهي مسرح يمثل عليه أسلوب واحد من الحياة النباتية والبشرية، وبينما تأوي الجبال المغربية من سنطلق عليهم (العرب الجدد) ينتشرون في السهول، وتسود في الأولى الغابات المتنوعة الوسيعة ومساقط المياه وحياة الرعي والزراعات الصيفية، تسود في السهول المزروعات الفصلية والأشجار المثمرة والأنهار المتئدة والحياة المستقرة.
وهناك خاصة في المغرب الكبير كله، وهي أن ألأطلس العالي يكون دائما الفاصل بين الأنهار الحقيقية التي تتجه نحو البحار، وبين الوديان التي تجتذبها الخفوس الصحراوية في الجنوب. والأنهار في المغرب كله حقيقة ضخمة، وتعد أكثف شبكة في بلاد العرب كلها، ومن خواصها الفوارق البينة في الغزارة، المتراوحة بين النضوب والفيضان، ثم الأخطار التي تتعرض لها السدود والخزانات تبعا لهذه النزوات الفصيلة، فهذه الأنهار ـ إذا ـ مرآة للمؤتمرات المناخية الروحية.
وإذا كان من العصب إيجاد حدود شبه طبيعية لأقطار المغرب، تمشيا مع الانفصال السياسي الظاهري الذي بدأ في فترات من التاريخ، فإن الصعوبة الأولى في هذا المجال تضعها أنهار المغرب عينها، فحدود إقليم تونس يجب أن تبدأ من منابع (المجردة) داخل الجزائر، وحدود هذه الأخيرة من جهة الغرب يقتضي المنطق العلمي أن تساير الضفة اليمنى لنهر الملوية، والحقيقة أن الجغرافيين لم يجدوا بدأ من أخذ هذين الحدين بعين الاعتبار عند دراستهم الإقليمية التفصيلية لبلاد المغربي العربي، على الرغم من أن هذه الخطة تصرف النظر النظر في الأوضاع السياسية التاريخية المحلية.
وأما «الوديان» في الشمال الإفريقي فهي نسيج وحدها: انحفرت في أزمنة مطيرة قديمة ولم يبق من مياهها «التاريخية» سوى خيوط عكرة، تختال في فترات قصيرة من السنة، لتسمح بزراعة النخيل والتوطن الفصلي، وإننا لا نجد أي اختلاف في هذه الظروف بين وادي الزرود في تونس والجدى في الجزائر ودرعة أو الزيز في المغرب.
وإما الحياة في الواحات المغربية فهي مظهر لضمور حضارة زراعية راقية سابقة، ولا يمكن أن نفترض ـ كما جاء في مقال الكاتب ـ إن هذه النخل في المعاش هي شكل مصغر يعكس ما كانت عليه صحراؤنا من خصب واخضرار، وإن الطرائق المتبعة في الزراعة هناك أصلية وشاهدة ... لأن الأحوال المناخية المساعدة التي أكد عليها جغرافيو الغرب وأيدها الكاتب، قد سادت ولا شك قبل عشرات آلاف السنين على الأقل، ومن جهة أخرى فإن سكان هذه المناطق طرؤوا من الشمال والجنوب منذ أزمنة تاريخية معروفة وفي ظروف معينة، وحملوا معهم أساليبهم الزراعية وبعض البذور والحيوان.
وإذا نظرنا إلى واجهات المغرب البحرية الشرقية والشمالية الغربية، وتبرز أمامنا أهمية الموقع الذي احتلته هذه البلاد في العالم القديم والحديث على السواء، فعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط نشأت حضارة تألقت في القديم، بينما يشهد المحيط الأطلسي اليوم تطور حضارة تألقت في القديم، بينما يشهد المحيط الأطلسي اليوم تطور حضارة حديثة مادية جبارة، وهذان الأمران فرضا على بلادنا أن تكون همزة وصل بين حضارتي الفكر والمادة، بين بلاد تنتج المواد الخام وبلاد تصنعها، بين منطقة التصريف الكبرى (آسيا وإفريقيا) ومنطقة الإنتاج الكبرى (أوروبا وأمريكا) بين الأقطار المتسلطة الجشعة والضعيفة المغلوبة، وأن هذا الموقع الفريد يوضح خطوطا عريضة خطوطا عريضة في التاريخ المغربي، فهذه البلاد كانت الخط الأمامي في الدفاع عن العالم الشرقي الإسلامي منذ بدأ الحماس الديني الأوروبي، وتبلورت أطماع الدول الحديثة.