يقر نفسه على مثل هذه الفقرة التي وردت في مستهل بحثه (سنستعرض بحول الله في هذا البحث المجالي المختلفة لهذه الوحدة التي تجعل من المغرب العربي قطعة متراصة من القارة الإفريقية). لأن المغرب العربي ليس جزءا من إفريقيا لا من الوجهة الطبيعية الجيولوجية والتغريسية والحياتية ولا من الوجهة البشرية، على الرغم من التصاقه بتلك القارة ووقوعه في القرنة الشمالية الغربية منها، مثله مثل جزيرة مدغشقر التي تعتبر قطعة من الهند ـ عمليا ـ والقطب الجنوبي الذي يدرس مع جبال الآنوس في جنوب أمريكا.
وإن جبال إفريقيا الغربية والوسطى تنتسب لحركة (القارة الصحراوية) أو الحركات الكيبارية والكونديلونغو والوالا بالوبيلاش بينما جبال المغرب سواء القديمة منها (الهرسينية) أو الحديثة (جبال الأطلس) تنتسب لحركات أخرى سادت في أوروبا الجنوبية وآسيا الغربية، وهي الحركات الهرسينية البرينية والألبية، والمعروف أيضا أن المغرب كان في الأزمنة الثانية جزرا صغيرة منتشرة في بحر (تيتيس) القديم، ثم نهضت جباله مع جبال لبنان ومصر في زمن (البليوسين)، وكان في ذلك الوقت متصلا بأوربا وآسيا عن طريق القارة (الترينية) التي كانت توجد في غرب البحر الأبيض المتوسط، ثم طريق جبل طارق وصقلية ونوبة مصر، ولأسباب معينة انفصل المغرب نهائيا عن أروبا، والتصق بإفريقيا، وأصبحت الصحراء المصرية جسرا يصله بآسيا.
وهكذا فأننا نرى أنه حتى من الوجهة الجيولوجية ـ الضريسية ـ إذا قطعنا النظر عن الناحية الحضارية والجنسية ـ يمكن اعتبار بلاد المغرب قطعة من آسيا الغربية لأمن إفريقيا. ويكاد المتجول في جبل صنين أو الباروك أو الدروز في لبنان، يخال نفسه في جهات طبقال أو العياشي أو سيروة، ولا يكاد الفلاح الذي يصل بمحراثه حتى البحر في سهل يكاد الفلاح الذي يصل بمحراثه حتى البحر في سهل عكار ويافا ومصر يختلف عن فلاح الشاوية ودكالة وسوس، وقديما كان المؤرخون يسمون هذا السهل الأخير: بمصر الصغرى.
القومية الترابية:
لقد فضح الأستاذ الكاتب دس مؤرخي ومستشرقي الغرب الذين أرادوا أن يثبتوا ـ لغاية لا تخفى ـ أن الشعب العربي والبربري (!) قد تطورا خارج الإطار الجغرافي، وأيدوا ذلك بشيوع النظام القبلي العشيري عندهما وعدم وجود روابط قانونية ودينية تربطهما بالوطن. وليس من شك في أن تعلق العربي بأرضه ودارته لم يضعفها تشيعه العاطفي وعصبيته العشيرية، وكان المغاربة القدماء الذين نزحوا إلى المغرب ـ كما سيمر معنا ـ من خضرموت وسوريا وصور، أصحاب حضارة زراعية راقية تقوم على مبدأ الاستقرار، وإنما هي ظروف معينة اقتضت أن يلجأوا إلى الجبال والصحاري، ويبتعدوا عن السهول التي كانت مهددة بالغزو الفنيقي والقرطاجي والروماني وخاصة الغزو الوندالي الوحشي، فضاقت أحوالهم المعاشية، واضطروا للتكيف، وأصبحوا نصف رحل يبتعدون عن بيوتهم الجبلية في الشتاء، أو رحلا يضربون في الصحراء.
فقضية الحركة والطعن التي بنى عليها بعض العلماء نظرياتهم ـ وضعية صنعية جديدة اقتضتها أحوال طارئة، هذه الأحوال نفسها عاشها (البيغمة) أو أقزام إفريقيا عندما هاجمهم الحاميون فانقلبوا من رعاة إلى بدائيين، وتعرض لها شعب (البانتو) الحامي عندما اجتاحته شعرب أكثر منه عدا وأحكم تنظيما من شرق إفريقيا، كما عرفتها بلاد العرب بعد تحول عنها المناخ الملائم واستحالت من جنات عن يمين وشمال إلى قفر ومحل ...
فالأسباب المناخية في الجزيرة العربية، والتاريخية في إفريقيا والمغرب هي التي خلقت نمط الحياة المتنقلة المضطربة، فأوجد ذلك انفصالا ظاهريا، فمن الخطل إذا وصف العرب، في الشرق والمغرب بأنهم (غجر) لا علاقة لهم بالأرض، ولا يشعرون بالحنين إليها، وإننا لنجد التأييد القوي لهذا في الشعر العربي القديم وفي الأغاني الشعبية البربرية، وكيف لا يلصق العربي بالتراب، وهو الذي يقدم له الرزق، ويحفظ له رفات آبائه وأجداده، ويضع بين يديه مواد مسكنه وملجئه، وما يمنعه ـ كما يقول الأستاذ ابن عبد الله ـ أن ينطلق في هذه الأرض التي يعتبرها كلها وطنه لا ينازعه فيها أحد.
وحدة إقليمية جغرافية لا عرقية تاريخية:
إن الأرض المغربية: الجبال والهضاب والسهول، الأنهار والديان والبخات، البحار والخلجان والشطآن، هي هيكل شخصية المغرب والعنصر الأول في وحدته الإقليمية الخاصة، وكما وجدنا المغاربة متعلقين بأرضهم تعلق المعترف بالجميل، ومتشبثين بها تشبث المتيم الغيور، نرى هذه الأرض نفسها لحمة واحدة ومنظرا متسقا لا تنافر فيه ولا اختلاف.