تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«التعريب» الاهتمام الذي كانوا يتوقعونه لها في نظرهم باعتبارها قضية وطنية جوهرية، فعدلوا عن تعلم العربية، وعن محاولات التكلم بها مع المغاربة. ومرت سنة ثالثة من عهد الاستقلال ازداد فيها سلطان اللغة الفرنسية ونفوذها الفعلي والقانون في مدارس الدولة وجميع مصالحها، وأرغم الأباء المغاربة من جديد على إعطاء الأولوية في تعليم أبنائهم للفرنسية التي لا تزال دولتها قائمة رغم أنف الاستقلال والحرية، ورغم أنف الكفاح الوطني والمقاومة الشعبية واعتقد الكتاب والأساتذة الفرنسيون من جهتهم أنهم اكتشفوا حقيقة أخرى عندما قالوا: إن اللغة العربية عاجزة من أن تكون لغة التعليم في المدارس المغربية، وإنها لا تملأ الفراغ الفكري الذي يشعر به الشباب المغربي كما تملأه اللغة الفرنسة التي لا يستطيع الاستغناء عنها!!!

وجدير بالفرنسيين أن يعتقدوا ذلك وأكثر منه، فنحن الذين أعطيناهم الدلائل على صحة ما يعتقدون! لم نعجز فقط عن تعريب التعليم في المدارس الابتدائية، وتعريب لغة الوزارات والمصالح الحكومية، بل عجزنا عن تعريب أسماء الشوارع في المدن المغربية العصرية التي تحمل 95 ? منها أسماء فرنسية وأجنبية!.

إن الاهتمام باللغة القومية للدولة المستقلة، وبآدابها وحضارتها وتاريخها، والاعتزاز بذلك في المدرسة والبيت والشارع والمسرح والسينما والصحافة والإذاعة، هو نقطة الانطلاق في السياسة القومية للدولة. ومن مجموع هذه الأمجاد يتكون «الإطار الوطني» لهذه السياسة، فهل وضعنا نحن هذه السياسة لنصوغ أجيالنا الناشئة في قالبها، ونطبع تربيتهم بطابعهم؟.

إننا ما دمنا نتكلم بغلة الآخرين، ونتحدث عن أمجادهم، ونعيش على صناعاتهم، ونفكر بمنطقتهم، ونخضع لآرائهم ومذاهبهم، ونعلم أولادنا ليصبحوا صورة ـ طبق الأصل ـ منهم فلماذا إذن انفصلنا عنهم؟!

لقد أردنا من الاستقلال بناء الدولة، وبعث أمة وكما تحتاج الدولة لجيش يحميها، إلى لغة قومية تحمي معنويتها الروحية والوطنية، وتصون وحدة تفكيرها وتوجيهها وإلى سياسة قومية تنظم أحزابها وصحافتها ودعايتها، وتمنعها من التفكك والاضطراب والفوضى.

وإذا كان الشعب المغربي ينكر ـ كما أسلفنا ـ الاعتراف بالوطنية الضيقة، وإذا كان التفكير في انتهاج سياسة إسلامية قليل الحظ ـ لسوء الحظ ـ في خيال القادة السياسيين، فإن وضع سياسة عربية قومية هو أقرب الأشياء إلى رغبة الشعب، وأقرب الأشياء إلى سياسة حكومته، أقرب الأشياء إلى رغبة الشعب: لأن هذه السياسة لا تتعارض مع عقيدته الدينية، وتنسجم في الوقت نفسه مع مشاعره الوطنية والتاريخية والروحية واللغوية، التي تدفعه دفعا للخروج من سجن «الوطنية الإقليمية» «والحدود السياسية» و «الأسرة الصغيرة»، والانطلاق مع عالم عربي أكثر عددا، وأوسع أرضا، وأعزم ثورة، وأكبر حضارة وأشد على المستعمرين متاعة، وهو أقرب الأشياء إلى سياسة حكومته: لأن هذه السياسة تقوم على:

1) التحرر الكامل من السيطرة الاستعمارية بجميع أشكالها وألوانها.

2) الحياد وعدم التبعية لا للمعسكر الشرقي ولا لمعسكر الغرب.

وكلا المبدأين عنصر أصيل في سياسة القومية العربية اليوم، بل أصبحا يكونان العقيدة الوطنية لكل الشعوب العربية.

لكن، عندما تنتابنا الحيرة وقلة الثقة والتردد، في انتهاج سياسة عربية قومية، فإننا لا نصنع شيئا أكثر من إعطاء الوقت، وإتاحة الفرص لتسرب المبادئ والمذاهب الأجنبية لأفكار أجيالنا الناشئة، وملء الفراغ الذي تشعر به هذه الأجيال.

ويومئذ سيتحمل الشعب وحده نتائج هذه الحيرة، يوم يرى أجياله الجديدة تفقد شخصيتها القومية، واستقلالها الفكري، لتصبح مختلفة الآراء، مختلفة المبادئ، مختلفة الأحزاب، لأنها تعيش عالة على مبادئ الآخرين ولغاتهم وسياساتهم، وهذا ما رفضه الشعب المغربي المعتز بعروبته وإسلامه في الماضي ولن يقبله أو يرغم عليه في المستقبل بإذن الله.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٤٢