عربي، فإذا قلت عن شخص أنه غير عربي فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه أنه غير مسلم، وكذلك العكس. وكما تجد هذا الاصطلاح عند المغاربة، تجده عند المغاربة، تجده عند الجزائريين والتونسيين، فالقبائلي الجزائري الذي لا يكاد يعرف العربية، كثيرا ما يقدم نفسه أو يقدمه مواطنوه على أنه «عربي» أي «مسلم» فـ «الاستغراب» في نظره شيء لا ينفصل عن الإسلام، أو هو صفة من صفاته اللازمة، والجهل بالعربية مجرد نقص عارض يجب أن يتلافاه المسلم، ولما كان الإسلام ينكر الفروق الجنسية، فالمغربي ينكرها هو الآخر، لا بمقتضى عقيدته فقط، بل بإحساسه أيضا، إذ لا يجد لها أثرا ما في مجتمعه الإسلامي.
وفي السنين الأخيرة، وخاصة بعد انتصارات القومية العربية في العالم العربي، أخذت مفاهيم «القومية» وخصائصها السياسية والاقتصادية تتضح شيئا فشيئا لدى الرأي «الخاص» المغربي، بينما بدأ جانب من الرأي العام يفهمها على أنها دعوة لإتحاد الدول العربية يعني «دون الإسلامية» ومتسائلا عن السر في هذا التخصيص. أما الجانب الآخر، ولعله الأكبر عددا، فلم يكن هناك ما يدعوه لمثل هذا التساؤل، طالما أن الدول العربية عنده عبارة مرادفة للدول الإسلامية، والقومية العربية هي القومية الإسلامية، ومهما يكن الرأي العام المغربي، على الإسلامية، ومهما يكن فإن الرأي العام المغربي، على اختلاف درجة وعيه واداركهن يؤمن بمبدأ الإتحاد العربي والأخوة الإسلامية، ولذلك فهو لم ير في قيام «جامعة الدول العربية» ونهضة «القومية العربية» إلا مظهرين من مظهرين من مظاهر هذا «الإخاء» الذي جاء به الإسلام، والذي لا يستطيع إلا أن يؤيده ويؤيد جميع الوسائل الموصلة إليه.
وبينما نجد نسبة أنصار «القومية العربية» مرتفعة في الأوساط الشعبية، وفي طبقة المثقفين ثقافة عربية، إذا بها تنخفض في طبقة المثقفين ثقافة فرنسية. وليس في هذا مال يدعو للغرابة، فاللغة هي التي تصنع الفكر وتوجهه، ولم تخلق اللغة الفرنسية لتحرير الفكر العربي أو خدمة القومية العربية بطبيعة الحال، بل لخدمة فرسنا وتمجيد الفكر الفرنسي، فيرى في «القومية العربية» تعصبا جنسيا يراد منه تحريض العرب ضد الأجناس الأخرى، أو بعث الروح الاستعمارية فيهم لاحتلال دول أخرى!. وهذا منتهى التضليل، وفي نطاق هذه الدعايات أخبرني ضابط مغربي قضى فترة تدريب مع فوج من زملائه بفرنسا أنه عرض عليهم يوما فلم ظهر فيه هتلر يخطب أمام جماهير الشعب الألماني يوم كانت الألماني يوم كانت النازية في أوج مجدها، فجأة اختفى هتلر ليظهر جمال عبد الناصر مكانه يخطب أمام جماهير الشعب العربي في نفس الموقف ونفس الشكل، ولم يكن الغرض من ذلك إلا الإيحاء بأن مأساة هتلر والنازية، تعود للظهور من جديد ممثلة في ناصر والقومية العربية! وهذه الدعاية الاستعمارية هي السيطرة اليوم على الرأي العام في دول أوروبا الغربية ولكن المؤلم أن ينخدع لتضليلها بعض أبناء المغرب العربي.
ويتضح مما سلف أن المغربي على العموم، أقرب ما يكون إلى الإيمان بالقومية العربية منه إلى الوطنية الضيقة، لأسباب التي شرحتها آنفا، وقد كان انخراط المغرب في الجامعة العربية عملا استجابيا لهذا الشعور، ملبيا لرغبة الشعب. ومع ذلك، فلا يمكن القول بأن المملكة المغربية المستقلة تسير طبق سياسة عربية قومية محددة، وضعت أسسها سلفا بعد دراسة دقيقة، مثلما تدرس المشاكل الاقتصادية والإدارية الأخرى. وأعتقد أن تجديد هذه السياسة ليس أمرا كماليا لم نفرغ بعد للاهتمام به، فالفوضى التي نعانيها، فوضى التفكير، وفوضى التوجيه وفوضى الأخلاق. وعدم الثقة بطاقاتنا، طاقة لغتنا في الاستعمال والتعلم، وطاقة حكومتنا في الإدارة والحكم، وطاقة ديننا في مسايرة التطور والتقدم. إن وضع حد لكل هذا ليس أمرا ثانويا إذ منه يبدأ الوجود المعنوي للدولة، وعليه يقوم هيكلها الخارجي.
إن اللغة العربية هي الرابطة الأولى التي تجمع بين شعوب القومية العربية، وليس الجنس أو الدم العربي. ما هو حظ هذه اللغة في المغرب الذي عملت فرنسا على فرنسيته خلال أربعين عاما؟
وإليك الجواب:
في اليوم الثاني لإعلان استقلال المغرب ظن الفرنسيون المقيمون به أن لغة المغرب المستقل ستكون هي العربية، وأنه لا مناص لهم من تعلمها، فأخذوا يحاولون ذلك بشتى الوسائل. وبعد سنتين اكتشفوا أنهم كانوا واهمين، وأن الحكومة المغربية لم تعر مسألة